نورا غازي: آن الأوان للقضاء على ذكورية التفكير

هو ليس لقبًا تكريميًا، بقدر ما هو توصيفٌ وتجسيدٌ لواقع المرأة السورية التي إذا مُنحت الحرية صانتها، وكانت أهلًا لها، وإذا وُهبت حقوقها فاضت بسيل من العطاء على كل من حولها، وإذا كانت نورا غازي (عروس الثورة)، التي تزوجت معتقلًا قابعًا في سجون النظام، بطريقة لا تخلو من السريالية، فما فرقها عن باقي النساء السوريات اللواتي كنّ ضحايا الجهل؛ فتضاعفت أوجاعهن.

كان موعد زفافها بعد أسبوعين عند ما اعتُقل خطيبها، باسل الصفدي، وزُجّ في سجون النظام، فلم تنتظر خروجه، ولم تأبه لمصيرها بعد الارتباط به، فعقدت قرانها عليه، وهو حبيس، ضعيف الهوية، ضائع المستقبل، فكانا (عروسا الثورة السورية)، وهي اليوم لا تعلم عنه شيئًا. بعض المصادر تؤكد استشهاده داخل المعتقل، لكنها لا تزال بهمة ونشاط عاليين، ولم تتخلَ يومًا عن عملها الذي تعدّه قضية واجبة المواظبة، مهما أضناها الحزن والأسى.

عمِلتْ غازي -قبل الثورة- في مجال حقوق الإنسان، وكان لها باعٌ طويل في قضايا المرأة والطفل والاتفاقيات الخاصة بهما، وخلال الثورة، نشطت في عديد من المجالات الإنسانية الحقوقية ودافعت عن معتقلي الرأي، كما كان لها نشاط مع النساء المعنّفات أسريًا واجتماعيًا، أو اللواتي تعرضن للعنف على خلفية الثورة، وشاركت في المؤتمرات الخاصة بالمساواة القائمة على أساس النوع الاجتماعي، الساعية إلى تعديل القوانين التمييزية، بما يتلافى التمييز السلبي ضد المرأة وتحقيق المساواة “الجندرية”، ومنها قوانين الجنسية والأحوال الشخصية.

أكدت أن الثورة أفسحت المجال لبروز عددٍ ليس بقليل من الناشطات اللواتي استطعن -بجهدهن وعملهن- كسر قالب المجتمع الذكوري السائد، وخلق خط جديد من التمرّد النسوي المشروع، وقالت في حديث خاص لـ (جيرون): “لا يزال النشاط النسائي السوري محكومًا بثقافة مجتمعية، لا تؤمن بطاقات المرأة، وقدراتها على تحويل بنية المجتمع من رثّة إلى حضارية، نحن نفتقر إلى ثقافة الحراك النسائي، فمن كن يعملن سابقًا في هذه المجال هن ذاتهنّ قبل الثورة وبعدها، وهؤلاء كنّ مهتمات -أصلًا- بمجالات حقوق الإنسان والشأن العام قبل الثورة، وهذا مردّه عدم الوعي بالحقوق من الرجال والنساء، على حد سواء، وإذا نظرنا في الاتفاقيات الدولية، نجد أن الدستور السوري ضمن حقوق النساء ومشاركتهن في كل مجالات الحياة من ناحية النص حسْب، بينما كان التطبيق مزيّفًا، لذا؛ ينبغي إدراك الحالة، والإلمام بكل حيثياتها كأولى خطوات الحل”.

التوعية ركنٌ أساس

أشارت غازي إلى أن الثورة، والأزمة التي نتجت عن الثورة، جعلت النساء يتعرضن لهزاتٍ إنسانية عميقة وقاسية، ولكن -في المقابل- كان لها دورٌ إيجابي في صقل شخصياتهن وتدعيمها، وقالت: “بعد غياب الرجل عن عائلته؛ لأسباب شتى، منها (الاعتقال، السفر، الاختفاء القسري والموت) أصبحت المرأة مضطرة للعمل؛ ما جعلها تدرك حقوقها أكثر، وتطالب بمكتسباتها، فبرزت نساء عديدات كنّ – قبلُ- هامدات، بفعل النمط الاجتماعي السائد، هؤلاء عمِلن وتعلمن واجتهدن وثابرن؛ فتركن بصمة، كما تكوّنت مجموعات عمل نسائية، كل واحدة منها حرّضت الأخرى على الخلق، وتحوّلت بعضهن من النشاط العام في الثورة إلى التخصّص في مجال المرأة، هؤلاء النسوة نستطيع أن نقول أنهن وليدات الثورة، وأحد أهم مُفرزاتها”.

من جهة أخرى، أكّدت غازي أن المرأة السورية لا تزال تواجه عنفًا من العقلية الذكورية التي ليس من السهولة التخلّص منها، ومن رواسبها المتجذّرة، فقالت: “أحيانًا تكون الذكورية من النساء، أكثر من الرجال أنفسهم؛ فالنظرة الصوريّة للمرأة ودورها،  بوصفها مجرد زوجة وأم، متفشّية بين النساء أنفسهن، وهذا ما يُسمى ذكورية التفكير، والقالب الموحّد الجامد، وعلى سبيل المثال عندما تحاول الفتاة القيام بنشاط معيّن ليس الأب -وحده- من يعارض، فالأم تعارض أيضًا، نتيجة التربية الذكورية للمجتمع بأكمله، ولكن عمل المرأة الذي تضاعف إبّان الثورة، وتراكم الوعي والمعارف لديها، ساعداها في فرض قرارتها على محيطها،  ونستطيع القول بأن هناك ثورة اجتماعية مُشتعلة تحت الثورة الأصل، تُبشّر بعملية تغيير نوعيّة في البنية الاجتماعية وماهيتها، وهذا ما يدعو إلى التفاؤل”.

لفتت غازي إلى أن حضور المرأة في المجالات الإنسانية والحقوقية والمدنية يعدّ جيدًا ومقبولًا، إلا أن مشاركتها السياسية لا تزال دون المستوى المطلوب؛ بسبب إقصائها الواضح، على الرغم من وجود كفاءات نسائية سياسية تماثل كفاءات الرجال، وقالت: “التمثيل السياسي للمرأة في وفود المعارضة السياسية قليل جدًا، وغالبًا ما تُضمَّن النساء بدافع (الكوتا) التي يفرضها المجتمع الدولي، وهي ما نسبته 30 بالمئة للتمثيل النسائي في أي محفل دولي، أو نشاط للمعارضة السياسية”.

في سياق متصل، أشارت غازي إلى أن المرأة لا تزال تُستخدم صورةً وواجهةً في أغلب الحقول السياسية، وأردفت بالقول: “النساء يكافحن مع النظام، ومع المعارضة المسلّحة، ومع المعارضة الإسلامية؛ لكي يأخذن دورهن، ولكن المشكلة تكمن في الرجال الذين لم يتيحوا -إلى الآن- فرصة جديّة للمرأة؛ لتثبت مشاركتها الفعّالة، ولتكون شريكة في اتخاذ القرارات، فالنطرة الدونية للمرأة تجعل الرجل لا يعاملها كندّ، وعندما تنافسه، يتسلّط عليها، ويأبى أن يعترف بنجاحها، ويمكننا القول بوقوع جزء من المسؤولية على عاتق النساء؛ لأن عملهن لا يزال فرديًا غير منظمٍ، وتبرز عند بعض الشخصيات النسوية (الأنا) بروزًا واضحًا، إلا أن هذه الصفات السلبية يشترك فيها الرجال والنساء على حد سواء، ولا يمكن حصرها في العمل النسائي، لذا؛ لا بدّ من الاعتراف بالنساء، بوصفهن عنصرًا فاعلًا على الأرض، وبالتالي؛ في السياسة، وخصوصًا أن نسبة النساء في الداخل السوري -اليوم- أعلى من الرجال، وهنّ مَنْ يحملن أعباء العمل المدني والإنساني بمشاقه كلها”.

25 تشرين الثاني/ نوفمبر

وحول اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، والذي يصادف 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، أكدت غازي أن فضلًا كبيرًا للناشطات النسويات السوريات، اللواتي يقمن بدور كبير في توعية الناس بهذا اليوم، وقالت: “كثرة من الناشطات يُخرجن اعتصامات لمناهضة العنف ضد النساء، كما ينظّمن عديد المناشط والمحاضرات التعريفية باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والدراية بهذا اليوم، وبكل تفاصيل وأشكال العنف ضد المرأة في تزايد”.

تعتقد غازي أن هناك مسارين لتحجيم العنف ضد المرأة: الأول قانوني توعوي، والثاني اجتماعي، فقالت: “نحن بحاجة إلى نص قانون جيّد يضمن الحقوق والحريات، متوازٍ مع توعية اجتماعية، تجعل من هذا النص دستورًا محبًّبا وواجب التطبيق عند الجنسين، وإلا ستكون هناك خروقات لهذه النصوص، إضافة إلى ضرورة تعديل القوانين التمييزية، بما يتوافق مع المساواة الجندرية؛ لضمان مشاركة المرأة في كل المجالات، مترافقًا مع نشاط حقوقي؛ لتعديل القوانين السورية المحلية، بما يتواءم مع نصرة المرأة بالقول والفعل، أما المسار الاجتماعي، فيقع على عاتق المنظمات النسوية، التي ينبغي عليها أن تُحفزّ النساء على عدم التنازل عن حقوقهن”.

أخيرًا، أكدت غازي على ضرورة الاستقلال المادي للنساء، والذي يمنحهن قوة، ويُرسّخ ثقتهن بأنفسهن، وقالت عن هذا الجانب: “التخلّص من العنف الاقتصادي غاية وهدف، والثورة عبّدت الطريق للانتهاء منه، فازداد عمل النساء، وارتفعت نسبة تعليمهن، على الرغم من كل مشكلات التسرّب عن الدراسة”.