النساء والخروج من كهف العبودية

على الرغم من توقيع سورية على عدد من المبادئ المجسّدة في صكوك دولية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيدوا”، التي تتمتع بشموليتها في معالجة قضايا التمييز ضدّ المرأة في ميادين الحياة كافة، إلا أن هذا لم يلغِ مظالم النساء، ولم يسهم في خلق التوعية المجتمعية اللازمة؛ للحد من العنف السافر والمبطّن تجاههن، أو يدفع لخروج النساء من كهف العبودية.

فمعاناة النساء أمام أشكال من العنف متأصّلة في مجتمعاتنا المشرقية، التي تتخذ من الخصوصية الثقافية والخطاب الأخلاقي غطاء كثيفًا لمراكمة العنف وتوليده؛ حتى بات جزءًا من هوية هذه المجتمعات التي تجعل من المرأة تابعة لمشيئة الرجل، فالأديان السماوية الثلاثة “لم تنصفها” وأقرّت بدونيتها (بالوجع تلدين أولادًا، إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك.. أيتها النساء اخضعن لأزواجكن كما للرب.. الرجال قوامون على النساء..)، والتقاليد والأعراف جعلتها منبوذة (وأد البنات، جالبات العار، ناقضات للوضوء، ناقصات العقل والدين…)، أما القانون الذي يعوّل عليه بإنصافها أسهم في منع أي إمكانية مفترضة لرغبة المرأة في المساواة، أو نيل حقوقها دون تمييز، ففي سورية التي تعددت فيها الطوائف إلى أربع عشرة طائفة، تنوعت فيها المحاكم  إلى أكثر من خمس محاكم مختلفة، اتخذت شكلًا “طائفيًا ومذهبيًا وروحيًا” إضافة إلى قانون الأحوال الشخصية الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 7/ 9/ 1953، اعتمادًا على قانون حقوق العائلة العثماني، تؤكد التمييز والتبعية للرجل في عدد من النصوص (لتهاون في جرائم الشرف، قانون الحضانة، الوصاية، الميراث، شهادة المرأة، تعدد الزوجات، زواج الطفلات، الطلاق التعسفي، وإجازة الولي لإتمام عقد الزواج)، فقوانين الأحوال الشخصية السورية الناظمة لحياة الأسر السورية، والتي تعدّ المرأة أساسًا في بنائها، تغصّ بما تحتويه من نصوص قانونية، تدل على مدى احتقار المرأة، وانتقاص حقها وكرامتها، وتفرض على جميع النساء العيش تحت وطأة السلطة الذكورية، وتتماشى مع علامات التخلف التشريعي عن عصرٍ باتت فيه حقوق الإنسان أساسًا في بناء الحضارة الحديثة.

العنف ضد المرأة الذي تنوعت أشكاله من العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري، إلى العنف الجنسي ضد الأطفال والمرأة، تزداد وطأته حدّة مع الحروب، وقد شهدت سورية بهذا الخصوص فجائع جمّة من الاستغلال الجنسي، والاغتصاب، وزواج القاصرات، واستغلالهن في “جهاد النكاح”، إلى فتح “أسواق النخاسة”، وبيع النساء التي شكلت عناوين صارخة، بما تحمله من معان مهينة، على المستويين الجسدي والأخلاقي، والتي لا يمكن عدّها أعراضًا جانبية للحرب، إنما دليلا واعيًا على خلل النظرة إلى المرأة وتحويلها إلى سلعة، فإن كان الاستغلال الجنسي والاغتصاب حالة موجودة في جميع المجتمعات، إلا أنها تلقى العقوبة المناسبة قانونيا، بينما يُتعامل معها وفق القانون الجنائي السوري بمكافئة الجاني، وتزويجه المعتدى عليها لمدة خمس سنوات، على ألا يتم الطلاق دون سبب مشروع، بحسب المادة 508 من قانون العقوبات السوري، فضلًا عن حالة الستر التي تسعى إليها الأسر؛ لتجعل من اغتصاب الفتيات فعلًا شرعيًا، يمكن تعميمه على زواج القاصرات الذي اتخذ اسم “زواج السترة”؛ ليشكل في بداية الحرب السورية فصلًا أساسيا في مخيمات النزوح السورية في البلدان المجاورة، وفي مناطق النزوح الداخلي، ومد مخالبه إلى المناطق شبه الآمنة، ولم يقتصر على الفتيات البالغات، إنما طال من لا تتجاوز أعمارهن “الثماني سنوات”، بذريعة الخوف وحماية القاصرات من التشرد والاغتصاب الذي يضمر حالة الفاقة والعوز التي تحولت إلى بيع علني للقاصرات، وتشير أرقام القاضي الشرعي الأول بدمشق، محمود معراوي، إلى أن ارتفاع حالات زواج القاصرات التي بلغت 5 معاملات يوميًا عام 2014، جاء “نتيجة الأوضاع الراهنة وسوء المعيشة”، ولفت إلى أن “القاصر تصرّ على الزواج من أي شخص؛ بهدف الإنفاق عليها، ولو كان عمرها غير مناسب للزواج”، أما شبكة الاتجار بالنساء التي أوقفت في لبنان، في نيسان/ أبريل الماضي، وأنقذت فيها 75 فتاة، معظمهن من السوريات، لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة من نوعها، ما لم تُردع وتُعالج أسبابها.

أمام هذه الحالات المتأصلة من العنف الموجّه ضد المرأة، والتي تشترك مع الرجل في ما يقع عليهما من اغتصاب لحقوقهما السياسية والاقتصادية والإنسانية، تنفرد في الظلم المجتمعي بأشكاله كافة، والذي يغتصبها فكريًا وجسديًا، تبدو قضية إنهاء العنف ضدها شائكة، ولا يمكن إتمامها إلا بإيجاد حل جذري وتنمية شاملة، تفرزها تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية عامة، فوضع النساء ما عادت تكفيه الإدانة، مثلما لا يكفيه التصديق على صكوك دولية دون العمل على تطبيقها، فالعنف المتعددة جوانبه ضد المرأة يحتاج إلى إعداد استراتيجيات متعددة، بحسب اختلاف مظاهره والأوساط التي يحدث فيها، فإن كانت المرأة لا تستطيع هزيمة التاريخ المنصرم، أو إيقاف ضرر الأديان، وميراث التقاليد البالية المسنودة بها، وما تعانيه من جراء تحويلها من إنسان إلى عورة، يمكنها أن تحتمي بالقانون الذي يشكل الدرجة الأولى لتسلق الحقوق، وهذا يعني البحث عن قانون مدني موحّد لسورية، يلغي مفاعيل القوانين “الشرعية والروحية والمذهبية” التي تشكل قيدًا يجعل المرأة تقبل دونيتها، وتحمّل العقبات التي يضعها في وجه تقدمها، مع العلم أن هذا القانون -وحده- لن يشكل قفزة نوعية في صدّ العنف الموجه ضد المرأة، فمراكمة العنف ضدها جعلها تسقط في شرك الاستسلام لمملكة الاستبداد الذكوري، وتعزيزها بالتبعية والدونية وتبني آراء الرجل والمجتمع عنها، والتي تصل أقصى حالاتها بقبول الصمت عن كل ما يمارس بحقها، والذي يصل حد “التحرش الجنسي والاغتصاب من الأخوة والآباء والأزواج تحت غطاء الشرعية الأسرية” (!)، وهذه الحالة تورث مفاهيمها ضمن متوالية لا تنتهي، وهذه الحالة تتطلب تنظيم حملات توعية مكثفة ومدروسة؛ لتعريف المرأة بحقوقها، وتعميم هذه الحملات بجميع السبل الممكنة في الإعلام والمدارس ومنشورات الطرقات وغيرها؛ لتصل إلى أكبر شريحة ممكنة من النساء، فالمرأة المحرومة من حقها في التربية المتساوية كالرجل، وحقها في التفكير والتعليم والعمل وتكافؤ الفرص، وحقها في العائلة، وصنع القرار، آن الأوان لأن ترفع عنها هذه المظالم الإنسانية الشائكة والمترابطة معًا، وهذا يحتاج لمجهود عظيم، تقوم به المرأة والرجل، على حد سواء، ومساهمة المنظمات المدنية والحقوقية في نشر التوعية، والعمل على تحرير سجينات المجتمع؛ للخروج من حالة العماء وآفاتها التي تغتصب دورهن الفاعل في توازن المجتمع، ولعل “البرتقالي” يقدم أولى الخطوات نحو مستقبل دون عنف.