نفور السوريين من مؤسسات المعارضة

خمس سنوات ونيّف على انطلاق الثورة، فترة ليست قصيرة لاختبار أحوال المعارضة السياسية وقدراتها، وللتأكد من عجزها وتقصيرها في مواكبة الحراك الشعبي، وفي بناء قنوات للتواصل والتفاعل معه، ومده بأسباب الدعم والاستمرار، وهي ثغرة كبيرة لثورة، جاءت مفاجئة وعفوية، وعطشى لقوى سياسية تقودها، ولشخصيات ورموز تاريخية تتصدر صفوفها.

فبخلاف ما كان ينبغي أن يكون عليه الخطاب السوري المعارض، من جدية ومسؤولية وقدرة على توصيف الواقع، وتحديد مشكلاته، ووضع الحلول لها، ودفعها على طريق التنفيذ عبر خلق أدوات وآليات تنفيذية. فقد بقي خطاب عام، لا يذهب إلى المطالب المحددة، ويركز على الشعارات العامة، بدل أن يركز على المطالب والأهداف ذات المحتوى. وهو خطاب صراعي، يخوض في الصراعات، أكثر من ذهابه إلى التوافق. وتفصيلي، أي أنه يخوض في الجزئيات دون أن ينظر إلى روابطها بالقضايا العامة. وملتبس، بحيث تُفهم منه -في بعض الأحيان- أشياء غير تلك التي يقصدها أصحاب الخطاب، بل إنه -في أحيان- يتضمن التناقضات؛ بحيث يصير المتلقي عاجزًا عن معرفة الهدف من الخطاب.

ويعيب كثيرون على المعارضة انصياعها لأوامر الخارج، الإقليمي والدولي، أو -على الأقل- سيرها وفق حساباته وتوقيتاته، بدليل توقيت محطات تطورها السياسي وتشكيلاتها التنظيمية، تبعًا لأجندة لا تتعلق بالوضع السوري العياني بمقدار ما تتعلق بمطالب الخارج.

كما ينفر السوريون من معارضة تقول بأنها تسعى لبناء دولة المواطنة والمساواة، بينما تنزلق إلى ممارسة مفضوحة للمحاصصة، والإصرار على توزيع المناصب على أساس الحصص المذهبية والقومية، وليس على أساس القدرة والكفاءة؛ لإظهار صورة عن نفسها، تقنع الداخل والمجتمع الدولي بأنها تمثل أطياف المجتمع وفئاته كافة.

ومن بين العوامل الذاتية، ضربٌ من اللاعقلانية، أصاب ممثلي هذه المؤسسات، أو لعله غلب على جزء غير يسير منهم، تجلى في الرغبوية والإرادوية والنزعات التبريرية. أدى ذلك إلى انتشار واسع لتحليلات تبسيطية سطحية، ورواج كثير من المعطيات الكاذبة، التي تقود السوريين إلى استنتاجات مزيفة، لا تعِد إلا بالأوهام.

لقد كان المأمول من تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، سنة 2012، أن يمثل أوسع طيف ممكن من المعارضة السورية، وأن يشكل مظلة سياسية للثورة، وداعمًا حقيقيًا لها، ويتجاوز خلافات المعارضة فيما بينها، على المستويين: الأيديولوجي والسياسي، وعدم جعلها معوّقًا، أو مانعًا أمام توحيد وتنسيق الجهد تحت مظلة سورية جامعة؛ من أجل تحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة، والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، والأهم هو أن يؤثر في موازين القوى، بما يعطي دفعة قوية لحراك السوريات والسوريين على الأرض، ويقدم رؤية استراتيجية للمرحلة الانتقالية في سورية، بما يطمئنهم، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة عن مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

وعلى الرغم من وجود الائتلاف الوطني، بوصفه الوعاء الأكثر تمثيلية، وصاحب الاعتراف الدولي الواسع، فإنّ المعارضة بحاجة إلى مزيد من الوحدة السياسية؛ لتندرج في إطارها تكوينات المعارضة الأخرى، خاصة تلك التي بدأ شباب الثورة بإطلاقها، بمن فيهم ناشطو المجتمع المدني، وحشدها في إطار سياسي ومجتمعي تنظيمي فاعل.

ومما يدعم هذا الإنجاز السياسي والمجتمعي التنظيمي في حشد المعارضة، السعي إلى توحيد قوى الجيش السوري الحر، وتعزيز هيكليته وقدراته، بعد ما أصاب تشكيلاته ومهماته من تدهور، أفسح في المجال لنمو تشكيلات عسكرية إسلامية متطرفة، تعمل خارج خط الثورة، بل إنّ بعضها يعمل في مواجهة هدف الثورة في تغيير النظام.

وعليه؛ من البديهي القول: إنّ تقدمًا تحققه المعارضة في المهمات الأساسية، سوف يقلب ويبدل البيئة السياسية العامة المحيطة بثورة السوريين، داخل البلاد وخارجها؛ ما سينقل المسألة السورية إلى سياق مختلف عن سياقها الراهن، وسيدفع تبدل -كهذا- إلى تحولات عميقة في مزاج ودور ومشاركة قوى شعبية، جوهره دعم الثورة؛ ما يسهل مهمة انتصارها، كما يمكن أن يترك آثارًا مباشرة في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع في سورية.

خاصة أنّ ثمة عقبات تعترض انطلاق الحل السياسي، بينها استمرار الخلافات على آليات التغيير، والفترة الانتقالية، ودور رأس النظام، وسبل الحفاظ على هياكل الدولة ومؤسساتها، بما فيها الجيش، وتوفير الحقوق والحماية لجميع المكوّنات. ويبدو الملف السوري مؤجلًا إلى ربيع العام المقبل، عندما تكون الإدارة الأميركية الجديدة قد بدأت في ترتيب أوضاعها.