اعتقالات حزب الاتحاد الديمقراطي تتجاوز أخلاق الأنظمة الشمولية

شهدت منطقة الجزيرة السورية، الواقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، مظاهرات احتجاجية مدعومة من الحزب ذاته، ضد الاعتقالات التي قامت بها الحكومة التركية بحق سياسيين من “حزب الشعوب الديمقراطي”، وعند اجتياز الشريط الحدودي الفاصل بين سورية وتركيا يتغيّر موقف حزب الاتحاد الديمقراطي ومناصريه 180 درجة، فعلى الرغم من مطالبة الحزب بإطلاق سراح السياسيين الأكراد في تركيا، فإنه يُمارس السياسة ذاتها في سورية، حيث يُنفّذ الحزب سياسة القمع والاعتقال بحق معارضيه من الأكراد والمكونات الأخرى على طول المساحة التي يسيطر عليها، والتي أعلن فيها ما يسمى “الإدارة الذاتية” بالتواطؤ مع “أحزاب” أخرى من المكونات السورية، فقد نفذ، منتصف شهر آب/ أغسطس،  أكبر حملة اعتقال في محافظة الحسكة، شمال شرقي سورية، طالت أكثر من 50 سياسيًا من أعضاء أحزاب ومنظمات منضوية تحت سقف “المجلس الوطني الكردي” في سورية، وفيما كان آخر الاعتقالات بحق هؤلاء ليلة 13 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، حيث اعتقل كل من: صباح ملا عبد الكريم، عضو المجلس الفرعي لـ “حزب الديمقراطي الكردستاني في سورية”، ومحمد أمين عبد الرزاق، ومحمد شريف يوسف، ورمضان عبد الله، وجميل كورو، ويوسف محمد سعيد رمو، العضو المحلي لـ “حزب الديمقراطي الكردستاني في سورية، في قرية  كركي لكي، وهو مريض بكلية واحدة، واقتادوه إلى التجنيد القسري، وعبد الوهاب محمد كرمي، عضو المجلس المنطقي للحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية ورئيس المجلس المحلي للمجلس الوطني الكردي في عامودا، وأمين محمد، وقد نفّذت قوات “الأسايش” التابعة لـ “الإدارة الذاتية” هذه الاعتقالات بُعيد الانتهاء من مراسيم تشييع ثلاثة قتلى من مليشيا “بيشمركة روج أفا” التي تُقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق.

من جانب آخر، وللمرة الأولى، قامت ميليشيا “الأسايش” باعتقال شخصيات سياسية غير كردية، حيث اعتقل يوم الاثنين 14 تشرين الثاني/ نوفمبر في مدينة رميلان التابعة لمحافظة الحسكة، المحامي رياض لحدو ادو، أمين سر المجلس الملي لطائفة السريان الأرثوذكس، والعضو في لجنة الأوقاف التابعة لكنيسة السريان الأرثوذكس في مدينة المالكية (ديريك).

من جهته، ندّد “المجلس الوطني الكردي في سورية”، والذي تأسس في بدايات الثورة السورية ويضم مجموعة أحزاب كردية، أبرزها “حزب يكتي الكردي في سورية”، و”حزب الديمقراطي الكردستاني في سورية”، ويعدّ المنافس الأبرز لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي”، بهذه الممارسات أكثر من مرة، ودعا للكف عن هذه السياسات القمعية، ولجأ -أيضًا- إلى الاعتصامات الاحتجاجية في عدد من المدن في شمالي سورية، وجرت أيضًا مظاهرات احتجاجية في المدن الأوروبية.

كذلك لجأ المجلس إلى الإضراب عن الطعام محاولة منه للضغط على ما يسمى “الإدارة الذاتية”؛ للتخلي عن السياسات القمعية بحق معارضيها، وللإفراج عن المعتقلين السياسيين، لكن باءت كل محاولاته بالفشل.
من جانبه، أصدر المرصد الآشوري بيانًا في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، قال فيه: إن “فرع المعلومات” التابع لـ “الإدارة الذاتية” الكردية في مدينة رميلان، التابعة لمحافظة الحسكة، اعتقلت المحامي رياض لحدو ادو، أمين سر المجلس الملي لطائفة السريان الأرثوذكس، والعضو في لجنة الأوقاف التابعة لكنيسة السريان الأرثوذكس في مدينة المالكية (ديريك). بعد أن استُدعي إلى الفرع المذكور، وفي إثرها أوقف”.

وشدد على أن هذا الاعتقال التعسفي انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وأدان بأقسى العبارات “الأفعال المشينة التي يرتكبها ما يسمى بـ “مشروع الإدارة الذاتية الكردية” في اعتقال المواطنين السوريين تعسفيًا”، ورأى أن هذه التصرفات “قد تحثّ على الفتنة، والتفرقة بين مكونات المنطقة من كلدان سريان آشوريين وعرب وأكراد، والمنطقة بأمس الحاجة إلى التكاتف والتلاحم بين المكونات؛ لرد العديد من الأخطار المحدقة بها”.

من جانبه، قال عمر كوجري، نقيب صحافي ما يُسمى بـ “كردستان سورية”: إن حملة الاعتقالات التي يقوم بها جهاز “الأسايش” التابع للحزب الكردي “ليست مفاجئة ولا جديدة”، وأن هذا الجهاز “الخليط.. الهجين، يُمعن في إذلال ما تبقى من أكراد في الجزيرة السورية، وهي عملية مقصودة، الغرض منها توصيل رسالة للكردي (المواظب) على البقاء في تراب وطنه، أنه أمام خيارين: إما الانصياع للتردي السياسي والثقافي والاجتماعي؛ وحتى الخدمي والمعيشي، الذي يديره حزب (ب ي د) ويحكم بلغة الحديد والنار، أو الخروج والطرد من الوطن وعدّه (المواطن) عدوًا غير مرغوب فيه، وغير مرحب ببقائه في وطنه، وأن الوطن ليس لـ (الخونة) والمتعاملين مع تركيا و”الائتلاف” وإلى آخر هذا الزعم، وكيل التهم الخائفة في وجوه المعارضين”.

من جانبها ذكرت ما تسمى بـ “الإدارة الذاتية” في عدد من بياناتها بأن الاعتقالات تتم نتيجة اختراق السياسيين لقوانين “الإدارة الذاتية”، كالمشاركة في تظاهرات غير مرخصة، وافتتاح مكاتب حزبية غير مرخصة.

ثقافة الاعتقال وتغييب المعارضين للرأي تعبر عن لا ديمقراطية “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي واستبداده، وعدم قدرته على قبول “الآخر الكردي” المعارض، وهو حاليًا يتجاوز “أخلاق” الأنظمة الشمولية الدكتاتورية في المنطقة، بل ويتجاوز “لا أخلاقيات” من يتعامل معه باتفاقيات استلام وتسليم، وصكوك أمنية وهو النظام السوري.

قراءة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، و”أسايشه”، لوقائع ودروس التاريخ ضحلة، ولا شك في أن هناك مستقبلًا أسود أمام تنظيمات كهذه (عسكريتارية توليتارية)، ومن يحكم بالحديد يزال ويمحى بالحديد ذاته، أو يسقطه حديد الارادة الشعبية المقاومة والمناهضة للاستبداد، مهما طغى وبغى.