ترامب والعالم الذي لا نعرفه

لقد حُسِمَت الانتخابات الأميركية، وأصبح دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، وعلى خلاف جميع التوقعات والتحليلات، سيدخل البيت الأبيض رجل من خارج المؤسسة السياسية، بالمعنى التقليدي للكلمة، وكثر هم الخبراء والمحللون الذين عدّوا أن الرئيس المنتخب لن يتمكن من تجاوز المراحل التمهيدية في السباق الانتخابي، والتي جرت في العام المنصرم، لكنه استمر. استطلاعات الرأي، كذلك، فشلت في الأيام الأخيرة للمعركة الانتخابية المحمومة، في أن تشير إلى حظوظ ترامب في احتلال صدارة المكتب البيضاوي، ورجحت فوز منافسته هيلاري كلينتون.

شخصية تتمثل فيها صفات اليمين الشعبوي المتطرف، بدءًا من العنصرية والبذاءة والابتذال، وليس انتهاء بمعاداة واحتقار المؤسسات القائمة (Anti-establishment)، وقد حققت نصرًا مدويًا ومفاجئًا، وليس مستغربًا -بعد ذلك كله- أن يعيش حلفاء واشنطن، في الشرق والغرب، أجواءً من القلق، تُغذّيها حالة من عدم اليقين بما ستكون عليه السياسة الخارجية للقوة العسكرية والاقتصادية الأولى، في عالم يبدو -اليوم-  أكثر غرابة وأقل قابلية للاستشراف.

إدارة أوباما التي أخذ عليها حلفاؤها ميلًا إلى الانعزالية، وحذرًا باردًا في التعامل مع الملفات الدولية الساخنة، كالأزمة السورية، ستغادر قريبًا، لن تحل محلها هيلاري كلينتون التي تعهدت في حملتها الانتخابية انتهاج سياسة أكثر حزمًا في مواجهة روسيا، بل سيدخل البيت الأبيض دونالد ترامب، أفضل صديق أميركي ممكن لبوتين، وبنفس أكثر انعزالية، يُعبّر عنه ولعه ببناء الجدارن (مع المكسيك)، ونفور من الاتفاقات التجارية البينية، القائمة منها أو المزمع إبرامها.

ليس ذلك -فحسب- هو كل ما يُقلق حلفاء واشنطن وجيرانها، بل -أيضًا- عدم قدرتهم على تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على التوازنات الدولية، وأمن الدول التي تتكئ على القوة العسكرية والنووية الأميركية؛ لردع جيرانها، كما هو الحال في شرق أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية. من جهة أخرى، فإن التناقضات التي عبّرت عنها تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية، تُضفي مزيدًا من الضبابية على الأجواء في الشرق الأوسط، فكيف من الممكن التوفيق بين موقف إيجابي من روسيا ونظام الأسد، ولهجة عدائية تجاه طهران والاتفاق النووي ونفور من المعارضة السورية؟

لم يخطُ ترامب أولى خطواته رئيسًا في البيت الأبيض بعد، لكن العالم، ومنذ لحظة إعلان النتيجة الانتخابية، دخل مرحلة من انعدام اليقين، قد لا ينقشع ضبابها؛ حتى بعد استكمال أركان إدارته. شخصية شعبوية يصعب التنبؤ بقراراتها وردود فعلها، تصل إلى أعلى هرم السلطة في بلد بحجم الولايات المتحدة ومكانتها الدولية، بعد حملة أحدثت استقطابًا عنيفًا غير مسبوق في التاريخ المعاصر للمجتمع الأميركي، وتتبنى خطابًا عنصريًا ينسف القيم المشتركة التي تُشكّل الحامل الإيديولوجي المشترك للتحالف الغربي، ستثير حتمًا عاصفة من المخاوف والتوجس في الحلفاء والأعداء، على حد سواء. يعني ذلك أن كثيرًا من القوى الإقليمية على امتداد الخارطة، قد تحتاج إلى إعادة ضبط وتقييم تحالفاتها القائمة على إيقاع المتغيرات الدولية بين القوى العظمى، وانتهاج سياسات أحادية أكثر تشددًا في حماية مصالحها، بشكل أكثر اضطرابًا مما اختبره العالم، سواء في مرحلة نظام القطبين الولايات المتحدة – الاتحاد السوفياتي، أو فترة القطب الأميركي الأحادي، وما تلاها.

لا يملك الرئيس الأميركي من أدوات السلطة والقوة ما يملكه دكتاتور شرق أوسطي كالرئيس المصري، ولا يمكن مقارنة موقعه في النظام الأميركي بالذي يحتله بوتين في روسيا، فهو محكوم بضوابط وتوازنات، لم يرتبها بنفسه ولنفسه، كما هو الحال في موسكو، ولا يُحكم قبضته عليها كما تسير الأمور في القاهرة. البنتاجون (وزارة الدفاع الأميركية)، وجهاز الاستخبارات كما الكونغرس، هي مراكز ثقل تُساهم مساهمة فاعلة في ضبط وتوجيه دفة السياسة الأميركية، لكن ذلك لن يمنع الإدارة المقبلة من التقارب مع روسيا إن أرادت، كما لن يقف حائلًا في وجه تفتيت الاتفاق النووي الإيراني عبر قرارات وسياسات تفرغه من محتواه، ويقلق ذلك دول الخليج العربي والمنطقة؛ لأنه سيعني التعايش مع إيران نووية، إن لم يترافق ذلك مع عمل عسكري لردعها.

ينتخب الأميركيون ترامب، ويُصوّت البريطانيون -قبل ذلك- لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، حدثان تاريخيان لم تتوقعهما مراكز الاستطلاعات، ولا أقلام المحللين. يبدو أن العالم يتغير، وكذلك هي الأدوات التي نعتقد أنها تساعدنا في فهمه، كما قواعد اللعبة الدولية التي تحكمه، ويشير ما يحصل إلى أن الشعوب قد سئمت من النخب التقليدية ومن مزيد العولمة.

يبتهج اليمين المتطرف في فرنسا وأوروبا، فالشعبويون -اليوم- أصبحوا أكثر ثقة وقوة، وأكثر أملًا بالوصول إلى أعلى هرم السلطة، ويبتهج المتطرفون الإسلاميون أيضًا، فالخطاب المعادي للإسلام الذي تتبناه القوى الصاعدة، وما قد يرافقه من تضييق على المسلمين في الغرب، واستمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، تعني أن لديهم ما يكفي من الوقود؛ للإبقاء على ماكينتهم الأيديولوجية حية ونشطة؛ حتى بعد أن تطرد (داعش) من الخارطة.

في العالم – الغابة الذي نخشى أن يصبح واقعًا، سيسهل التخلي عن القشرة الرقيقة من القيم، ويصبح السعي وراء المصالح العارية أكثر وضوحًا وشراسة، فتزداد الثورة السورية يُتمًا.