مرتكزات الدولة الوطنية الحديثة في كتابات ياسين الحافظ

تكمن مشروعية التفكير في ما كتب ياسين الحافظ من كون فكره قابلًا لأن يكون أحد مكوّنات الفكر الديمقراطي في المستقبل. فهو يدعونا إلى الارتفاع من مستوى المشاعر إلى بناء الدولة الوطنية الحديثة، بما ينطوي عليه ذلك من أساس ديمقراطي لهذا البناء. من خلال تَمَلُّك الوعي الملائم لحاجات التقدم، ذي ثلاثة مستويات: أولها، وعي كوني. وثانيها، وعي حديث. وثالثها، وعي تاريخي.

تندرج الدولة الوطنية الحديثة ضمن رؤية ياسين الحافظ للثورة الديمقراطية، بما تنطوي عليه من إمكانية امتلاك وعي ملائم بالواقع، ووعي مطابق لحاجات التقدم العربي. وتبدو أهمية هذه الرؤية إذا عرفنا أنّ الدول العربية، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي، استندت إلى تقليد سياسي ثيوقراطي، أتاح أوسع الفرص لممارسة أقلية ما هيمنة دائمة، كما أتاح المجال للصراع حول السلطة داخل هذه الأقلية. لهذه الأسباب فإنّ دعوته إلى الدولة الحديثة تمثل استجابة لحاجة الواقع العربي إلى تجاوز فواته التاريخي، حيث يبدأ ذلك بتحديث السياسة بـ “الديمقراطية” وتحديث الثقافة بـ “العلمانية” و”العقلانية”. وفي ذلك يقول “الديمقراطية لا يمكن أن تؤجل أو تقنّن، ولا توضع على الرف اليوم بزعم ممارستها غدًا عند النضج، فالنضج السياسي وليد الممارسة الديمقراطية بالدرجة الأولى، فالديمقراطية اليوم هي أمر لا بدَّ منه للديمقراطية غدًا، لأنّ ممارسة الديمقراطية على نحو ناضج مسؤول ومنضبط، لا يمكن أن يتهيأ إلا بالممارسة الدائمة، فلكي نتعلم السباحة غدًا، يجب أن نمارسها اليوم”.

أما العلمانية، فهي تحضر لدى الحافظ بمثابتها منظومة متكاملة، تستدعي جميع حيّزات التجربة التاريخية: معرفيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا. فهي على المستوى المعرفي معادل للعقلانية، فهي ” تؤمن بالاكتشاف التدريجي للحقيقة، سواء في الطبيعة أم بالمجتمع، بواسطة العقل وحده تحت رقابة التجربة.. وبدون هذه العقلانية ما كان للعلوم أن تتقدم هذا التقدم المذهل، وبالتالي لا يمكن للعلم أن يتقدم في مجتمع يرفض هذه العقلانية… فالعلمنة إذن إحدى التظاهرات الفرعية لعملية عقلنة المجتمع “. وهنا نلاحظ أنّ التلازم الذي طرحه بين الدولة الحديثة والعلمانية، لم يتوقف عند حدود السطح السياسي، والترسيمات المحدودة عن “فصل الدين عن الدولة” بل استعاد المنظور المعرفي دوره، بوصفه أساسًا جوهريًا لبناء الدولة الحديثة. استنادًا إلى الوعي المطابق لدى ياسين الحافظ المؤسس على: أولًا، عقل وإعقال للواقع، لا يتم الوصول إليه بداهة بل بالتحليل الدقيق للعناصر والمكوّنات، في حركتها الجدلية الدائمة. وفي التحليل الأخير هو ليس سوى التقاط الواقع في سيرورته التاريخية، في خط تطورها العام. وهو ثانيًا، وعي عقلاني، يعتمد العقل منطلقًا ووسيلة، ويستبعد الرؤى المثالية أو الإشراقية. وهو ثالثًا، وعي نسبي، لا يدّعي الحيازة على الحقيقة المطلقة، إنه وعي يقترب من الواقع يلتقط ظاهراته ويحللها، ومن ثم ينقدها ليصل إلى تكوين تصور مفهومي يعاد اختباره في الممارسة، ويتم تصويبه على أساسها. والمفاهيم لدى الحافظ هي “توسطات ضرورية تجعل الواقع المتنوع والمعقد جاهزًا للوصف والتحليل، وليست أقانيم للعبادة والتقديس، توسطات ضرورية، لكنها ليست الواقع”.

وهو رابعًا، وعي حديث، تكمن أهميته في مجتمع متأخر تشكل الأنماط التقليدية فيه هيمنة وسيادة، ليس على الفئات الرجعية وحسب، بل هي متجذرة أساسًا في وعي الكتلة الشعبية الأكثر فقرًا، وهذا ما يفاقم تأخرها، ويعيد إنتاج خضوعها للطبقات السائدة من جديد، وهو وعي يجب كسبه باستمرار في معركة دائمة مع الذهنيات والبنى التقليدية، ومع القوى والمؤسسات التي تحرسها من جهة أخرى. وهو خامسًا، وعي نقدي في رؤيته لظواهر الواقع، يؤكد على الصحيح، وينقد ويقوّم المعوج، ويترك الخاطئ، أي أنه وعي يتجاوز نفسه باستمرار.

وهو سادسًا، وعي تاريخي، يمكن الحكم عليه بمدى مطابقته لحاجات تقدم الواقع العربـي، ومدى تمثيله لحركة الضرورة التاريخية، التي تصبح في حال وعيها إحدى صور الحرية، وأحد حدودها. وهو سابعًا، تراكمي لا يمكن اكتسابه دفعة واحدة، بل عبر الاستفادة النقدية من التجارب التاريخية، وعبر تصويبه في علاقته بالممارسة.