درع الفرات: من الموصل إلى الرقة

ثلاث محاور تتقدم خلالها القوى المشاركة في عملية درع الفرات المدعومة تركيًّا، لطرد (داعش) من مدينة الباب في المحور الأول، واستعادة منبج من ميليشيا صالح مسلم، والمحور الثالث، هو الاستعداد للمشاركة في عزل الرقة ومن ثم تحريرها. فهل أجبرت “درع الفرات” واشنطن على تفعيل خطة تحرير الموصل، ثم الرقة؟ سؤال يدور في الذهن، بعد مرور عامين على انطلاق عمليات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة (داعش)، تبدى فيها أن استراتيجية الحلف في محاربة (داعش)، لم تكن ناجعة، وعلى العكس من ذلك، لم يضعف “تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي، تمدد واستفحلت أساليبه القمعية والإجرامية، ولم تؤد الهجمات الجوية، سوى لتأثير محدود على قواعد (داعش). بالمقابل أدى ذلك إلى تضرر كبير للمناطق السكنية وخسائر فادحة بالمئات من المدنيين السوريين.

مجريات الأحداث وتطوراتها في الشمال السوري، تبدو كذلك، ساهمت في ضغط التردد الأميركي المتواصل، في النحو لإحداث تغيير محدود في استراتيجيتها، وفي القبول على مضض ودون تصريح بالموافقة، على ما أقدمت عليه تركيا، في عملية (درع الفرات)، عبر الجيش السوري الحرّ، الذي عملت جميع الأطراف على تقويضه، وفي مقدمها واشنطن.

وفي الواقع، فإن ما حققه (درع الفرات) قاد إلى تعجيل عملية تحرير الموصل، وفي التفكير في إعادة توجيه البوصلة إزاء (قوات سورية الديمقراطية) التي قادت عمليات عسكرية ضد الجيش الحر، وساندت النظام في حصار حلب. وهاهي اليوم تواجه تراجع الدعم الأميركي لها، وكذلك الروسي، في مناطق غرب الفرات، في الطريق إلى تحرير الباب، من جانب، ومن تخصيص قوات التحالف للواء ثوار الرقة دفعة أسلحة، طالما حرمته منها (قوات سورية الديمقراطية).

هذه المعطيات، تشير إلى أهمية النتائج التي أنجزتها عملية درع الفرات، من جرابلس ومنبج إلى دابق، وأثر ذلك في تقزيم مشروعي: تنظيم (داعش)، وتنظيم (بي ي دي) الكردستاني، اللذيْن سينكفئان إلى شرق الفرات كمرحلة أولى.

لطالما سمعنا جعجعة دون أن نرى طحينًا، فقد أكثرت الولايات المتحدة الحديث عن تحرير الرقة، لكنها في الواقع لم تقم بأية خطوات فعلية، وكلما أعلنت (قوات سورية الديمقراطية) اقتراب موعد الهجوم على الرقة، تحركت قواتها لاحتلال قرى في غرب الفرات، دون أن يحدث أي شئ على خطوط التماس مع (داعش)، ما يعني بوضوح أن تحرير الرقة لا يشكل أولوية في سياسات واشنطن في المنطقة، وأن ما يحدث في الشمال السوري، هو مسألة مؤجلة بالنسبة لها، وهذا ما أدركته موسكو، فاستغلت كل التطورات لتوّسع من احتلالها، وتدعم (قوات سورية الديمقراطية)، لكن التقارب مع تركيا، حجّم الدعم الروسي إلى مرحلة التجميد راهنًا.

في الواقع، وخلال سنوات ثلاث مضت لا تزال الإدارة الأميركية، تقدم في استراتيجياتها، الوضع في العراق على ماعداها من دول المنطقة، بكل ما تحفل فيه من تطورات كبرى. بدءًا بانتفاضة السوريين، واستخدام كل صنوف أسلحة الإبادة المنظمة ضدهم، وصولًا إلى قيام (داعش)، والاحتلال الروسي. وكل هذه المحطات الفاصلة، لم تدفع بالولايات المتحدة لجعل الوضع في سورية على قائمة التحديات التي تستوجب اهتمامًا رئيسًا، ينسجم –في الحدّ الأدنى– مع الوعود والتصريحات التي ما انفكت ترمي بها في كل مناسبة، مما شجع نظام الأسدية وروسيا وإيران، على المضي في تطوير سياساتهم العدوانية في سورية.

العراق هي محور استراتيجياتها، بصورة مباشرة، منذ الحرب العراقية – الإيرانية، والتي لعبت فيها دورًا كبيرًا مكّن الطرفين من مواصلة حرب عبثية طوال ثماني سنوات، انتهت دون انتصار لأحد، بخسارات كبرى للعراق، وبتغوّل فارسي لإيران، نشهد تصاعده حتى اليوم في صورة التهديدات الحقيقية التي تواجهها شعوب المنطقة العربية بأكملها.

وقد شكلت واشنطن في صراعها مع إيران، عامل تحفيز للأخيرة، للتوسع في المنطقة التي تعاني من اختلالات في التوازنات على كافة الصعد، من أسباب ذلك خداع الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة. خذلتهم في اللحظات الحاسمة، ومارست الكذب والدجل، وورطتهم في إشكاليات لا يستطيعون حلها أو الخروج منها.

العراق كمنطقة تمازج حضاري، شهد عبر حكم أوباما تفاعل المصالح الإيرانية – الأميركية، التي أنتجت وضعًا فريدًا في هذا البلد المتفجر طائفيًا وسياسيًا، مكّن إيران من بسط سيطرة كاملة على نظام ومؤسسات الحكم فيه، مثلما قاد موقف واشنطن بالتراجع خلفًا في الحالة السورية، إلى تقدم موسكو واحتلال سورية، والاستفراد فيها، بالصورة التي نشهدها اليوم. الكلام الأميركي الفارغ، والموقف الهلامي، واحد من أهم أسباب الراهن المرير.

على الرغم من سيطرتها، وإدارتها للوضع في العراق، تركت الولايات المتحدة المجال واسعًا لقوى التطرف أن تعصف به، وأعني بذلك ولاية الفقيه الإيراني، ولاية الخليفة الداعشي، واليوم مع الموقف الحرج وبالغ التعقيد في الموصل، لم تتمكن الولايات المتحدة من وضع أسيقة عامة تمنع مآزق وإشكاليات عملية تحرير المدينة من (داعش)، فيما يتصل بمصالح الأطراف الإقليمية وتداخلها، خاصة بين العراق وتركيا، في ظل وجود إيراني كبير عبر ميليشيات الحشد، والجيش العراقي.

ولكن، ثمة مسألة بالغة الأهمية، طالما أن الحديث الأميركي والعراقي، يشير إلى طول أمد المعركة، ما يعني أمرين: هما فتح المجال أمام انكفاء (داعش) نحو الجزيرة الفراتية السورية، ومركزتها ما بين ضفة الفرات الشرقية في ريف حلب إلى الرقة ودير الزور وجنوب الحسكة وصولًا إلى الحدود العراقية. وهو إحياء لموقف أميركي سابق، بتجميع (داعش) في هذه المنطقة، نتلمس خطوطه، في توقف عملية طرد (داعش) من ريف حلب قبل نحو عامين، والتي قامت بها فصائل الجيش الحر، مدعوما من الائتلاف الوطني، والتي توقفت عند حدود مسكنة.

الأمر الثاني، هو أن معركة تحرير الرقة، ما تزال معركة مؤجلة، ما لم تفرضها عملية (درع الفرات) على جميع الأطراف الأخرى، وفقًا للتطورات اللاحقة. والخطة الأميركية بعزل الرقة، لم تزل مثار جدل واسع بين الأطراف التي تريد المشاركة فيها، والتضاد القائم بين قوات صالح مسلم الذي يرى في الطرف التركي قوة احتلال إن تقدمت باتجاه الرقة، وكما معروف فإن أنقرة بدورها ترفض مشاركة (قوات سورية الديمقراطية) لأنها تتبع لتنظيم إرهابي وفقًا لتصنيفاتها.

الأمر معقد، وواشنطن ليست في صدد حسم هذه المسألة الخلافية عاجلًا، خاصة وإنها ترى في الطرفين حليفين لها.. وبالطبع أداتين لتنفيذ استراتيجياتها، التي تبدو مربكة إلى أبعد الحدود. واضح أن أنقرة لن تنتظر الحسم الأميركي، وقوات (قوات سورية الديمقراطية) لا تمتلك من القدرات والخبرات ما يؤهلها لمواجهة (داعش) في الرقة.