“لواء شهداء الإسلام”: داريا لن تموت أو تُمحى من الذاكرة

أكد النقيب سعيد نقرش (أبو جمال)، قائد “لواء شهداء الإسلام”، ومدير مكتبه السياسي، أن ما منع الثورة من تحقيق أهدافها تحالف مصلحي بين روسيا وإيران وإسرائيل والأسد، مشددًا على أن -ما أسماه- “التآمر الدولي” على الشعب السوري، حال دون انتصار الثورة، وقال في مقابلة مع (جيرون): إن “المجتمع الدولي مازال غير جاد في رغبته بإنهاء الصراع والحسم، وهو ما أدى إلى تعقيدات كبيرة في القضية السورية؛ بسبب تداخل وتضارب المصالح الدولية والإقليمية على الأرض السورية”.

سقوط داريا ترك الريف الدمشقي دون حصن منيع

شكل سقوط مدينة داريا بريف دمشق، علامةً فارقة في خط سير الثورة، ولا سيما في محيط العاصمة، إذ حمل تهجير مقاتليها -بعد اتفاق مع النظام برعايةٍ أممية- تداعيات كبيرة على مجمل حواضن الثورة في الريف الدمشقي، وبدأت البلدات تتهاوى، الواحدة تلو الأخرى، في تعبير صريح وفق ناشطي الثورة عن سياسةٍ مُمنهجة للنظام وحلفائه، تقوم على التغيير الديمغرافي للعاصمة ومحيطها، تماشيًا مع خطط سياسية يعتقد الأخير أنه بالإمكان تنفيذها اعتمادًا على الدعم الإيراني – الروسي، ومستفيدًا من الصمت الدولي عن جرائمه.

وفي هذا السياق، قال نقرش: “بعد سقوط داريا تغيرت الخارطة كثيرًا، وسقطت المناطق التي كانت داريا تقف حصنًا منيعًا، يحول دون سقوطها، وبدأت تتهاوى مدينةً تلو الأخرى، دون أي رد فعل من العالم، أو ضجيج لما يحدث، وبات واضحًا أن أهداف النظام من الهدن ينحصر في تحييد المناطق، وإخماد الثورة فيها؛ ليستفرد بها منطقة تلو الأخرى، وعلى الرغم من أن الوقت تأخر كثيرًا على هذا الكلام، لكن تجب الإشارة إلى أننا ناشدنا الجميع مرارًا وتكرارًا قبل خروجنا من داريا، ولم يسمعنا أحد، وعلى الرغم من كل ذلك مازال يمكن استدراك الأمر بحل الخلافات في الغوطة الشرقية، وتوحيد صفوف الثوار ضد الهجمة الشرسة على الغوطة، وإفشال خطط النظام وحلفائه في إفراغ المناطق من الثوار”.

مصالح القوى الكبرى منعت انتصار الثورة

منذ نهاية العام 2012، بدأ الحديث عن معركة حسم في العاصمة دمشق، الأمر الذي لم يحدث حتى اللحظة، وهو ما دفع بناشطين عديدين وهيئات مدينة ثورية، في ريف دمشق، إلى أن تتحدث عن عدم استقلالية القرار العسكري لمعظم الفصائل في مناطقهم، مشيرين إلى أن تلك الفصائل باتت تعمل وفق أجندات الداعمين والممولين غير الراغبين بحسم المعركة وإسقاط النظام، لافتين إلى أن المعارك في الشمال السوري محاولةً من قوى إقليمية ودولية عدة؛ لاستنزاف الثوار، والتغطية على ما يحدث في محيط دمشق على حد تعبيرهم.

في هذا السياق، قال أبو جمال: “إذا كانت المعارك في الشمال استنزاف للثورة، فهي -في المقابل- استنزاف لأعداء الثورة من النظام وحزب الله والإيرانيين والروس، ولكن لا يوجد أدنى شك في أن حسم المعركة عسكريًا لن يكون إلا في دمشق، وهو ممكن إذا تمسكنا بأهداف الثورة ومبادئها، وأعتقد أن ما منع معركة دمشق -حتى الآن- هو التآمر الدولي على الثورة وعلى الشعب السوري، وتقاطع مصالح إسرائيل وإيران وروسيا في بقاء النظام والحيلولة دون إسقاطه، بات واضحًا أنه لا توجد رغبة دولية لإنهاء الأزمة، وحسم المعركة لصالح طرف من الأطراف، وهو ما أدى إلى تعقيدات كبيرة؛ بسبب تداخل مصالح الدول الكبرى التي حولت أرض سورية  إلى ساحة صراع للمصالح الدولية والإقليمية، ولكن لا نملك إلا الاستمرار، وبذل المزيد والمزيد من الدماء والتضحيات؛ حتى تحقيق أهدافنا”.

وأوضح أن ذلك التوصيف “لا يشمل المجتمع الدولي كله، وإنما المقصود الدول الكبرى صاحبة القرار على الساحة الدولية، والتي ترى أن نظام الأسد ضمن مصالحها طوال العقود الخمسة الماضية، وسيضمنها في المستقبل، إضافة إلى ضمان أمن إسرائيل ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا”.

داريا لن تموت أو تُمحى من الذاكرة

راجت كثيرًا مقولة أن التاريخ يكتبه الأقوياء أو المنتصرون، وبالتالي؛ يعتري عددًا من ناشطي ومناصري الثورة السورية الخوف من أن تمحى ملحمة داريا من الذاكرة، أو أن يجري على الأقل تحريف وقائعها وفق ما يتلاءم مع كاتب السجلات التاريخية، ليس لأن الواقع الآن يشير إلى أن من يكتب أو يؤرخ هم من أعداء الثورة فحسب، بل ربما -وفق بعض الناشطين- لأن الواقع الراهن لا يحتمل تلك الأحلام الشاهقة للثورة السورية، وهو ما دفع -بحسب رأيهم- أحد أهم القيادات العسكرية في داريا، المرحوم أبو جعفر الحمصي، للكتابة قبيل الخروج من المدينة “لا أرض تتسع لداريا”، ودفع -أيضًا- ذاك المقاتل من حي الوعر الحمصي للكتابة على الباص الأخضر المخصص لتهجيره “عبثًا تحاول، لا فناء لثائرٍ”، قبل أن تتحول العبارة الأخيرة إلى أحد مقولات الثورة التي يرفعها من استطاع التظاهر في الساحات والشوارع.

وقال أبو جمال: “ملحمة داريا ستبقى بأكملها في الذاكرة، ولن تُمحَ أبدًا؛ لأنها تعمّدت بتضحيات مئات الشهداء وآلاف المهجرين والمكلومين، وكل حجرٍ فيها يشهد على بطولات أبنائها وتضحياتهم، ولذلك؛ لا نخاف من أن تخرج ملاحم داريا من سجلات التاريخ، ولو كان ذلك ممكنًا، لاستطاع النظام إغفال مدينة حماه، ومحو مجازرها، على الرغم من أنه حاول ذلك، ولكن الشعوب حية، وذاكرتها لا تمحى، ولا يمكن نسيانها واسم داريا أصبح رمزا لأهل سورية، وتعداه إلى كل مكان، نحن اليوم خرجنا من داريا، لكننا حملنا كثيرًا معنا، وسنعمل على نقله وتطبيقه ما أمكن، حملنا نقاء الثورة الأول وفطرتها ووحدة الهدف والمصير”، وأضاف: “وعلى الرغم من كل ما حدث والأوضاع الصعبة التي تمر بها الثورة، أؤكد بأننا لا زلنا نملك زمام المبادرة، والثورات لا تموت، ولن يستطيع الأسد أو حلفاؤه النيل منها وإخمادها، فهي كل يومٍ تكشف مزيدًا من العورات والأقنعة المزيفة،  ولذلك؛ يجب أن تبقى الطموحات كبيرة وواسعة،  في بداية الثورة كانت قوة القبضة الأمنية والعسكرية للنظام، وقوة حلفائه أضعاف ما هي عليه الآن، ومع ذلك، استمرت الثورة، واعتقد أن المطلوب هو العودة إلى أهداف الثورة الأولى، والخروج من المشروعات الفصائلية الضيقة، والارتقاء بالتفكير إلى مستوى طموحات الشعب، وتضحياته التي بذلها على مدى أكثر من خمس سنوات”.

واختتم حديثة بالإشارة إلى أن اللواء “يعمل حاليًا على إعادة هيكلة وتنظيم صفوفه من جديد، وسيكون ضمن أي مشروع لتوحيد الفصائل وجمع الكلمة، وجزءًا لا يتجزأ من أي مشروع وطني، يهدف إلى تحرير سورية وبنائها من جديد، بعد طرد الغزاة منها”، مشددًا على أن الحديث عن ارتشاف الشمال لثوار داريا وريف دمشق “غير دقيق”، موضحًا أن التغيير “يحتاج إلى وقت طويل من الإعداد، ولا سيما أن الأعداد التي خرجت قليلة جدًا، مقارنةً مع واقع الفصائل في الشمال،  وتحتاج إلى أن تنهض، وتقدم أنموذجًا ناجحًا؛ كي تستطيع إقناع الآخرين، ومن الصعب جدًا تعميم تجربة منطقة محاصرة وصغيرة على مناطق مفتوحة، ومساحتها آلاف الكيلومترات”.