سورية.. السلاح الحاضر والفكر الغائب

ظواهر هدّامة متعددة يتّسم بها الواقع السوري، ويعدّ النزاع المسلح أشدّ أبعادها مأسوية، بما مثّله من انحسار للطبيعة الشعبية السلمية لحراكٍ، كان الهدف منه السعي إلى بناء وطن أكثر حرية، في ظل قيم العدالة والتعامل الإنساني مع المواطنين، وبما أفرزه -لاحقًا- من التفاعلات السلبية أمنيًا وسياسيًا والتي نقلته نحو طريق شائكة ومتعرجة، ناتجة عن تعدد الميليشيات، وتنوع غاياتها ومساعيها، وهو ما تبدّى على الأرض -سريعًا- مع قيام وحدات مسلحة محلية بتحرير بعض المناطق الصغيرة في الغوطة الشرقية والزبداني وبابا عمر وغيرها، كان رد النظام عليها سريعًا وشرسًا، وإن لم يكن حمل السلاح غاية وأساسًا، إلا أن نتائجه الكارثية -منذ البداية- لم تثن عن حمله.

 

كشفت الأزمة عن حالة الخلل التي أصابت المجتمع السوري في الصميم، من جراء سياسة النظام، وسيطرته الشاملة على مفاصل الدولة كلها، والتي أفرزت اتجاهين أساسيين: أحدهما كان ناتجًا عما كرّسه النظام من قيم ونظم تربوية، أفرزت قطاعًا كبيرًا من السوريين، لا يرى الوطن إلا عبر زاوية العائلة الحاكمة وبقائها المؤبد في السلطة، والاتجاه الآخر كان ناتجًا عن فشل هذا النظام في بناء دولة وطنية للجميع، والتي أفرزت قطاعًا من السوريين وجد ضالته تحت راية الميليشيات -بأسمائها الدينية المتعددة- التي اتخذت من الإسلام الجهادي منطلقًا؛ للوصول إلى ما تصبوا إليه من بناء دولة إسلامية في سورية، وبعيدًا عن الدخول في إمكانية قيام مثل هذه الدولة أم استحالتها، استطاعت الميليشيات الجهادية الإسلامية زرع بذور الخوف والترويع في قلوب كثير من السوريين، منذ بدء انطلاقتها مع جبهة النصرة، ومن ثم داعش، وصولًا إلى غيرها من التنظيمات التي قادت صراعها مع النظام؛ بهدف السيطرة والاستيلاء على حكم بعض المناطق؛ لتمتين وجودها، وصراع آخر مع بنية المجتمع السوري بمكوناته المتنوعة، كما أعطت للنظام حجة استثمار وجودها؛ ليباشر في تسليط الضوء على واقع مرّ من الإرهاب القاتل القادم ليجتاح دول العالم، انطلاقًا من سورية، في حال انعدام القدرة على إبقائه في حيّز الاحتواء الداخلي، فحملات الترويع والقتل في المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم والتفجيرات والعمليات الانتحارية في بلدان متعددة من العالم، خلقت منظومتها الدعائية الداخلية والعابرة للحدود، التي ساهمت في صناعة واقع سوري له تعقيداته الخارجية الكبيرة، ضمن حالة الفوضى العاصفة، تحولت الجهاديات الإسلامية إلى جزء لا يمكن إغفاله داخل تركيبة الأحداث السورية، وجعلت النظام السوري شريكًا فعليًا في مكافحة الإرهاب، فالنظرة الخارجية لشراكة النظام، بوصفه يمتلك “شرعية دستورية” ومؤسسات أمنية وحربية قادرة ومجهزة على كبح جماح التنظيمات الإرهابية، أهملت ومازالت تهمل حقائق مهمة كثيرة، على رأسها أن الرد العنفي للنظام سيؤجج نيران هذه الجماعات، ويزيد من استقطابها لعناصر جديدة، وبالتالي؛ سيزيد حدّة تأثيرها وانتشارها، وتتجاهل الميليشيات المتعددة من دول الجوار التي تشارك النظام وتخدم أهدافه، وتتغاضى عن جموع الميليشيات كالدفاع الوطني أو اللجان الشعبية (الشبّيحة) التي جرى تأسيسها؛ لدعم ومساندة النظام والدفاع عنه، وهي لم تقتصر على مناطق بعينها، إنما جرى تعميمها في المناطق كافة، فمنطق الميليشيات تمدد على الجغرافيا السورية كاملة؛ ليرسم نمطًا آخر من العلاقات الاجتماعية، تتخذ عمقها مع غياب القدرة على الفصل بين العنف الاجتماعي والسياسي، ويزيد في حالة التخبط والإرباك السوري.

 

مناخ‏ ميليشيوي صُنع بقوة الاستبداد الأمني الذي زرع بذور الخوف والمظلومية، وعدم الثقة بين المكونات، وحالة الارتياب من الجميع وبين الجميع، فالأقليات لديها ارتيابها من الأكثرية، وقد عززته التنظيمات الجهادية المؤدلجة للدين، والأكثرية تعاني مظلوميتها التي تأطّرت في نظام أقلوي يحكم أكثرية دينية من جهة، ويساند الخصوم المذهبيين من جهة أخرى، لقد صنع  النظام مزيجًا من سياسة التهديد والتهويل، متوافقًا -بشكل أو بآخر- مع أسس ومنطق ثقافة ميليشيات اليوم، التي تكاثرت في زخم الأزمة؛ إذ أحصي ما لا يقل عن 1200 جماعة من الفصائل المسلحة المعارضة في تموز 2013، بحسب ما صرح به ديفيد شيد، نائب مدير وكالة مخابرات الدفاع الأميركية، في كلمة أمام منتدى “أسبين” الأمني في كولورادو؛ فهذه الفصائل المتفاوتة في الحجم والتأثير تختلف مع النظام؛ لأسباب وأهداف متعددة، وتختلف مع بعضها في البنية والتركيبة والأهداف، كما أنشأ كل تجمّع من لون واحد “طائفة أو مذهبًا أو اثنية، منطقة أو حيًا” فصيلًا مسلحًا معلنًا أو خفيًا، مهمته الأساسية حماية هذا التجمع، في حال تعرضه لأي اعتداء مسلّح، والوقوف في وجه الإبادة المحتملة، كمجموعة “سوتورو- الحماية” في منطقة الجزيرة السورية، أو “مشايخ الكرامة” في محافظة السويداء، ومنها ما حُمّلت مشروعات خاصة تتعدى دور الحماية، وأبرزها وحدات حماية الشعب الكردية، التي أسسها حزب الاتحاد الديموقراطي في المناطق التي يعيش فيها الأكراد في سورية، إضافة إلى ميليشيات جُنّد مقاتلوها في عديد من المناطق على يد دول كإيران وتركيا وغيرهما، أو على يد شخصيات خارجية لها ارتباطها مع الداخل السوري طائفيًا.

 

هذا الواقع الميليشيوي المسلح، والمتحفز للقتال، وإن كان بعضه أو كله طارئًا على البنية السورية بشكلها العام، إلا أنه تحول -مع طول المدة- إلى فرز كيانات سياسية، تقود حربها على إمكانية قيام دولة سورية للسوريين كافة، وساهم بالوسائل الممكنة كلها، وغير الممكنة، في دخول سورية حرب استنزاف، أصابت الشعب السوري ونخبته بالشلل والعجز عن القيام بطرح المبادرات وقيادة التحولات نحو إيجاد صيغة مبنية على الحرية العامة والفردية في ظل دولة القانون، التي يمكنها انتشال الواقع السوري من طعن السكاكين التي تعدّت الخاصرة؛ لتصل إلى صميم البنية السورية، وبات التعويل على إمكانية السيطرة على هذه المليشيات -بتشكيلاتها كافة- مستقبلًا، هفوةً غير مدروسة، وهذا ينطبق على الجماعات المساندة للنظام مباشرة، كما ينطبق على تلك التي لا يتوافق مشروعها مع أي مشروع وطني سوري كالميليشيات الإسلامية الجهادية، بأسمائها المختلفة، أو تلك الميليشيات المرتبطة بأجندات عابرة للحدود السورية، فوجودها الحالي لن يلغي تشكيلها لبؤر مسلحة يمكن تنشيطها أمام أي محنة مستقبلية، ما لم يُعمل على إعادة تأهيل للمجتمع السوري ككل، ووضع قواعد التعايش والحوار العقلاني؛ لحل المشكلات الآنية والمستقبلية.

 

ثقافة الميليشيات، ومنطق الاحتكام إلى السلاح التي تغلغلت في العمق السوري، لن تبعد مستقبل سورية عن حاضر العراق، وستجعل من إمكانية استقرار سورية، وبناء نظام سياسي قادر على تقديم ضمانات السلم حلمًا بعيدًا، فبعد أن حُكم على الشعب السوري البقاء تحت رحمة إرهابين: إرهاب الدولة وإرهاب الميليشيات المسلحة، ضاقت المساحة الممكنة لاستنباط أفكار أو رؤى فاعلة للحل داخليًا، لكن هذا لن يلغي حقيقة أن الفكر وحده قادر على رسم الطريق؛ للخروج من التوحش والاستباحة لحياة وحرية وكرامة الإنسان.