المرحلة الانتقالية ونسيج الدم والوهم

الواقع السوري العسكري، بتعدد ميلشياته القاتلة، وبما وصل إليه من تفتيت للجغرافيا والديموغرافيا السورية، وبتشابك المصالح الدولية وتقاطعاتها في شأنه، كل هذا ما عاد خافيًا على أحد، والحراك السياسي والدبلوماسي والمباحثات والقرارات الدولية، بشأن إيجاد حل سياسي للنزاع، لم تتجاوز -حتى الآن- المحاولات الوقائية والتوافقية الدولية المتراوحة بين “التهدئة والتجميد والحوار”،  والتي تبقي سورية ورقة إقليمية تحت وصايتهم، وتقارب الضرورة الذي بات يتمدد؛ ليشمل مجمل الأطراف الخارجية المعنية بالأزمة السورية، ما هو إلا تأكيد لرغبة المتوافقين بالخروج من هذه الأزمة، بشرط الحفاظ على مصالحهم، دون تقديم ضمانات لإنهاء التوتر الموجود، وتوفير بيئة مواتية لإطلاق عملية سياسية، تنهي الصراع، ويتم حصرها بتواريخ واضحة لبدئها وانتهائها؛ بحيث تضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتهم؛ لتنفيذ الانتقال السياسي، وفقًا لجدول زمني محدد، دون السماح بتجاوز أي بند من بنوده.

سيل الأوهام الذي توزعه القوى الدولية عن انتقال سياسي، وهي تراهن على الميدان العسكري، والمرحلة الانتقالية التي لم يملّ “دي مستورا” إعلانه المتكرر عن قيامها، باتت تشكل ضغطًا إضافيًا على الشعب السوري الذي يعاني حربًا وارتدادات حرب، لن تُسفر عن احتمالات السلام، فمنذ أن عُدّ ما يجري حربًا أهلية ونزاعًا مسلحًا يُحلّ بالتوافق، وبرعاية دولية، كان على الأطراف السورية، كافة، الاقتناع بضرورة التوافق؛ لتجنب مزيد من هدر الدماء، والتوجه نحو فهم  إمكانية الحل وسياقه، بدل الاستمرار في الإساءة إلى أنفسها، وبدل التعويل على تبدل مصالح القوى الدولية، والتي تُدرك أن النظام السوري رسّخ سلطته عبر عقود من الحكم، بطريقة لا تسمح بتفككها، أو تغيير آلياتها؛ لأنه سيقود إلى انهيار كامل، لا يمكن ضبطه، وبدل الرهان على استمرار الصراع الميليشيوي القائم، بكل ما فيه الآن، وعلى تصعيد العنف، على أمل أن يرأف العالم لحال السوريين؛ فيتدخل عسكريًا لإنهاء النظام، وهذا -أيضًا- بات واضحًا أنه لن يتجاوز حدود الشفقة على حال شعب يُقتل.

آمال السوريين التي تعلّقت -جزئيًا- بالخلاص من مغطس النزوح والتشريد والجوع، عبر خفض العنف، وزرع بذور حل سياسي، يحترم حقهم في دولة ديمقراطية مدنية، يتساوى أفرادها أمام القانون، بات يشوبها الضبابية والقصور، فما يجري منذ ست سنوات لم يغير “معادلة الرعيان في واد، والقطعان في واد”، فالتوافقات الخارجية -في معظم جوانبها- تسير نحو تنحية المكون السوري، أو إعطائه دورًا ثانويًا، ولا تقترب من الوقوف إلى جانب حقوق الشعب السوري في تقرير مصيره، والنظام السوري اتخذ قرار استمرار الحرب حتى النهاية، ولم يُقدّم إمكانية حل وسط، ومنذ بدء الأحداث، لم يفسح المجال نحو خطوات انفراج ديمقراطي يُعوّل عليها، وهو ما بدا واضحًا في صياغة قانون الأحزاب، وربطه بموافقة وزارة الداخلية، وفي تغيير الدستور الذي أبقى على هيمنة الرئيس على السلطات كافة، وهو ما لم تراعيه الهيئة العليا للمفاوضات، في ما تقدمت به إلى اجتماع أصدقاء سورية في العاصمة البريطانية لندن، يوم الأربعاء 7 أيلول/ سبتمبر الماضي، من رؤيتها للإطار التنفيذي للحل السياسي في سورية، وفق بيان جنيف 2012، وتصوراتها للعملية التفاوضية والمرحلة الانتقالية والضمانات القانونية التي تحمي خيارات الشعب السوري؛ إذ فضلًا عن التناقض في بعض بنودها، بين تكوين هيئة الحكم الانتقالي سلطة موقتة، لا تقرر عوضًا عن السوريين، وبين اتخاذها مناحي النظام في عدد من البنود، كتولّي هيئة الحكم الانتقالي فور تشكيلها السلطات التشريعية والتنفيذية كافة، وضمنتها الصلاحيات كافة، من الإشراف على السياسة الداخلية والخارجية، والأمن والقضاء والميزانية، إلى إعلان دستور موقّت، لا استفتاء شعبي بخصوصه، إلى ممارسة السلطات التشريعية، بعد حل مجلس الشعب، وتجميد العمل بقانون الأحزاب، إلى وضع حكومة المرحلة الانتقالية تحت إشراف هيئة الحكم الانتقالي، دون خضوعها لهيئة رقابية، ودون تحديد فترة زمنية لنهاية عملها، وبهذا فهي تجدد عهد الاستبداد مع تغيير الواجهة لا أكثر.

المرحلة الانتقالية ضرورة ملحة للشعب السوري، إلا أن تسليمها لمن يتصارعون على أرضه، لن يُقدّم سوى أوضاع أكثر مأسوية مما هي عليه، تتراوح بين التقسيم أو التطويف أو إخضاعها للفدرالية، كمقدمة لتنصيب نظام حكم  يخدم مصالحهم، والتجربة العراقية دليلًا، وهذا لن يكون حلًا لسورية، فالشعب السوري وحده المعني، ووحده من يستطيع رسم طريقه، بعيدًا عن أجندات الآخرين الساعية لاستباحة مستقبله، والمرحلة الانتقالية -بالنسبة له- يجب أن تتعدى المصالحة والمساءلة والمساعدات الإنسانية، على ضرورتها، كما تتعدى الكيديات والانتقام، وتدخل في صلب القبول بالعملية الديمقراطية، وتداول السلطة والعلنية، وإقرار قانون بعيد عن التهميش والإقصاء، لأي من فئات الشعب، وإعادة تنظيم الحياة السياسية في البلاد، ووضع دستور، يحول دون تحول أي سلطة انتقالية أو غيرها إلى سلطة تجدد عهود الاستبداد، وتلغي دور الشعب، حينها ستكون المرحلة الانتقالية مشروعًا ممكنًا، أو مشروعًا قابلًا للنجاح، كما ستكون بداية للخروج من نسيج الدم والوهم، والتحول نحو تشكيل جديد لوطن.