العدالة الانتقالية وكيفيات التعامل مع إرث الاستبداد

في سياق المرحلة الانتقالية، ستشغلنا أسئلة كثيرة وحاسمة في سورية، من أهمها: ما نوعية الجرائم والانتهاكات التي تجب المساءلة عنها؟ ثم ما مستويات المسؤولية؟ وما نوعية المسؤولية، هل هي جنائية أم مدنية؟ وما الفترات الزمنية التي تحتاجها عملية المساءلة والمحاسبة؟

إذ إنّ انتهاكات حقوق الإنسان كثيرة ومتنوعة، وقد امتدت لفترة زمنية طويلة، بلغت أكثر من أربعة عقود، إضافة إلى الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات آل الأسد وشبيحتهم منذ بداية الحراك الشعبي السوري، في آذار 2011؛ ما قد يجعل مسألة البحث في السبل السليمة؛ للتعامل مع إرث الماضي مطلوبًا، بل هو حاجة ماسّة، خصوصًا وقد أصبح مطروحًا على بساط البحث، سواء من الضحايا أو من مكوّنات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.

إنّ هدف ومنهجية مؤسسات العدالة الانتقالية في سورية المستقبل، هو السعي إلى بلوغ العدالة، في أثناء مرحلة الانتقال السياسي من الشمولية إلى الديمقراطية، ومعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان، ومساعدة الشعب السوري على الانتقال الديمقراطي بشكل مباشر وسلمي وغير عنيف، وذلك؛ من خلال توخّي القضاء هدفًا مزدوجًا: المحاسبة على جرائم الماضي، ومنع الجرائم الجديدة من الوقوع، وفق استراتيجية تعتمد إعادة بناء وطن للمستقبل، يتسع لجميع مكوّنات الشعب السوري، قوامه احترام حقوق الإنسان والمواطن والآليات الديمقراطية وسيادة القانون.

وهكذا فإنّ أهم ما يواجه عملية التحول الديمقراطي في سورية، هو ضرورة إجراء حوار وطني شامل، حول كيفية التعامل مع الماضي في إطار العدالة الانتقالية، بما يؤدي إلى رفع الوعي القانوني، وتعزيز الثقافة الحقوقية بأهمية التعامل -إنسانيًا وقانونيًا- مع الماضي، بطريقة تجنّب المجتمع السوري ردود الفعل بالانتقام أو الثأر أو الكيدية، أو تغذّي عوامل الكراهية والحقد والضغينة.

ولكي تُسهل مهمات المحاسبة يمكن تشكيل هيئة عليا مستقلة للحقيقة؛ لكشف الانتهاكات في الماضي وخلال الثورة، بحيث تضم ممثلين عن جميع القطاعات والحقول القضائية والقانونية والإعلامية والأكاديمية والأمنية والعسكرية والصحية والنفسية، إضافة إلى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، ويكون لهذه الهيئة شخصية اعتبارية ومعنوية، وضمان استقلالها المالي والإداري، ويتم ذلك قانونًا، بحيث تحال إليها جميع الملفات، ذات العلاقة بالمجازر واجتياح المدن وقصفها بالصواريخ والبراميل المتفجرة والاغتيالات، أو التعذيب أو السجن أو جرائم الفساد أو غيرها.

إنّ المصالحة الوطنية لا تعني النسيان، وإنما إلغاء الثأر والانتقام عبر اللجوء إلى القضاء، وذلك يعني أنه لا بدَّ من أن يقبل كل السوريين، من يشعر أنه كان ضحية للنظام، ومن يخاف أن يكون أحد ضحايا التغيير، بأنّ سورية المستقبل قادرة على حمايتهم جميعًا، وأن تؤمّن لهم مستقبلًا أفضل. وهنا؛ لا بدَّ من التشديد على مبدأ ربح الجميع، بمعنى أنّ المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين، ممن لم تتلوث أياديهم بدماء الشعب السوري وبالفساد العام، يتوجب عليهم إدراك أنّ تفاوضهم بشأن التحول الديمقراطي هو ضمانة لعدم تعرضهم للمساءلة في المستقبل، كما أنّ على الضحايا السوريين أن يدركوا أنّ مستقبل سورية يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي؛ من أجل الشراكة في سورية المستقبل، وهذا لن يتم -بالطبع- إلا عبر المفاوضات المشتركة؛ من أجل وضع خريطة طريق للانتقال الديمقراطي.

وتتنوع أشكال هذه العدالة بحسب الخلفيات التي تحددها، والأهداف المتوخاة منها أيضًا، وعادة ما تتركز آلياتها في إحداث لجان لتقصي الحقائق بصدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وكشفها -بتفصيل- أمام الرأي العام، أو من خلال المقاربة القضائية، ومحاكمة الجناة أمام القضاء المحلي أو الدولي، أو عبر تقديم تعويضات مادية (أموال وخدمات اجتماعية وتربوية ونفسية وصحية..) ومعنوية (تقديم اعتذار رسمي للضحايا وحفظ الذاكرة..)، وجبر الضرر للضحايا عما لحق بهم من مآسٍ ومعاناة، أو بإعمال إصلاحات مؤسساتية، تسمح بتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتجاوز سلبيات الماضي وإكراهاته، وتدبير التنوع المجتمعي بمظاهره القومية والدينية والثقافية المختلفة، بصورة ديمقراطية، على أساس العدالة والمساواة والحرية، أو بالسعي لتحقيق مصالحة بين مختلف الفرقاء السياسيين، علاوة على إقامة النصب والمتاحف؛ لحفظ الذاكرة الوطنية، إضافة إلى منع المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من تولّي مناصب حكومية، أو ذات طابع سلطوي داخل مؤسسات الدولة.

ومن المؤكد أنّ الثورة السورية لن تقف عند حدود إعادة هيكلة بنية الدولة الأمنية، وإنما ستمتد وظيفتها للحديث عن توحيد المجتمع السوري المتنوع، في إطار دولة المواطنة الحقة، فكل الناشطين، ومن كل المكوّنات الوطنية والشرائح المجتمعية، يلتفون حول هدف واحد، هو الارتقاء بمكانة الدولة السورية الحديثة، وتطويرها بمحض إرادتهم، وبقناعة أنّ مصلحة تفعيل المواطنية إنما هي مصلحة خاصة، قبل أن تكون عامة.