صواريخ “مانباد” أم تدخل عسكري أميركي؟

لقد انهارت الهدنة، وبدا أن النظام والروس والإيرانيين في سباق لإظهار وحشيتهم؛ أسلحة محرمة دوليًا وقنابل فتاكة، تستهدف الحياة وما يعين عليها، من غذاء ودواء وطواقم طبية؛ فالهدف بات معروفًا، هدم حلب الشرقية على رؤوس أهلها، وحرمانهم من وسائل العيش، ودفعهم إلى الرحيل، تمهيدًا لتسويات كتلك التي في داريا والوعر، لن تكون المعركة قصيرة، لكن الأسد وحلفاءه ماضون فيها.

أن يتمكن النظام -في النهاية- من إخراج حلب من المعادلة هو أمر جلل، لكن مسار الأحداث، إن لم يتم استئناف الهدنة، وهو ما بات صعبًا، يعني -أيضًا- أن الأمور ذاهبة باتجاه مرحلة جديدة وتصعيد خطِر، يعتمد مداه على نوع الرد الذي يُبحث في أنقرة والرياض والدوحة؛ وحتى في واشنطن. الرأي السائد أن أوباما الذي أحجم عن التدخل طوال السنوات الماضية، ولم يلتزم حتى بتفعيل خطه الأحمر، عندما قصف النظام الغوطة بالأسلحة الكيماوية، لن يحرك ساكنًا حتى لو أحرق الأسد كل المدن السورية. قد يكون ذلك صحيحًا إذا ما كان الرد يعني عملًا عسكريًا أميركيًا فحسب، وعلى الرغم من عدم استبعاد ذلك كليًا، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تملك في جعبتها خيار زيادة الدعم العسكري للمعارضة. إن ما تعبر عنه التصريحات الغاضبة من وزير الخارجية الأميركي وغيره، توحي بأن الولايات المتحدة سترد بطريقة ما، ولو لحفظ ماء الوجه فحسب، لكنها لن تستطيع حينئذ -بحسب أحد المسؤولين- أن تستمر في منع حلفائها، في الخليج وتركيا، من تزويد المعارضة بصواريخ أرض جو (مانباد) المحمولة على الكتف.

لقد ربط جون كيري بين استئناف إطلاق النار بتعليق التعاون بين بلاده وروسيا في سورية، وعندما ألح الصحافيون على الناطق باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي، بما يمكن أن يترتب على ذلك من تبعات، عدا سحب الفريق التقني الذي يعمل بالشراكة مع الروس في جنيف، كان الجواب بأن مزيدًا من الجنود الروس سيعودون إلى بلادهم جثثا بأكياس، وأن روسيا ستخسر مزيدًا من مواردها في الحرب، وربما ستخسر أيضًا مزيدًا من الطائرات؛ يُعدّ هذا الكلام من أشد الإشارات وضوحًا إلى أن صواريخ “مانباد” قد تدخل الصراع في سورية، ويعني ذلك -أيضًا- أن أميركا قد ترفع سقف التصعيد مع روسيا في المسرح السوري.

لكن ماذا عن الخيارات “غير الدبلوماسية” التي تطرق لها كيربي أيضًا، في حديثه مع الصحافيين؟ هل من الممكن أن تقوم إدارة أوباما بعمل عسكري في خضم المعترك الانتخابي؟

إن الخيارات “غير الدبلوماسية” قد تبدأ من زيادة الدعم العسكري للمعارضة، وصولًا إلى احتمال القيام بعمل عسكري. صحيح أن جورج بوش الأب، كان قد تدخل في الصومال عام 1992، في شهر كانون الأول/ ديسمبر، من ولايته التي شارفت آنذاك على الانتهاء، إلا أن اليد الأميركية في ذلك الوقت كانت طليقة كقطب أوحد في عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. أما بالنسبة لأوباما الذي يعيش في زمن مختلف، وتجنب -حتى اللحظة- التدخل المباشر في سورية، فإن تأثير أي عمل عسكري في السباق الانتخابي المحتدم، وغير المحسوم بين كلينتون وترامب، يحتاج إلى دراسة مستفيضة، كما أن الحضور والانخراط الروسيين في الحرب السورية، يعني أن الحال اختلفت عما كان عليه الوضع بعد الهجوم بالأسلحة الكيماوية، حين اقتصر دعم موسكو للنظام على مستشارين ونواح لوجستية، بمعنى أن أي عمل عسكري أميركي سيعني الآن تصعيدا خطِرًا مع روسيا، ومن جهة أخرى، لا يبدي وزير الدفاع الأميركي حماسة للتدخل، حيث لا يؤثر ما يجري في حلب -بشكل مباشر- في الحرب على داعش.

لا يمكن القول بأن أميركا أوباما في نهاية الولاية الرئاسية الثانية للأخير، ستحرك قوتها الجبارة؛ لتضرب في سورية، وخصوصًا أن الرئيس الأميركي لا يزال يستبعد أي احتمال يتطلب انخراطًا جديًا في الحرب السورية، لكن عملًا كضربات عسكرية عقابية محدودة، يبقى محتملًا، وإن كان غير مرجح، ويحتمل الأمر أيضًا إطلاق يد الحلفاء؛ لتنفيذ الممكن من الخطط المركونة في الأدراج.

ومن واشنطن إلى أنقرة، التي بعد أن زارها جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، حل فيها يوم الخميس ولي العهد السعودي محمد بن نايف. تحدث ظريف عن تنسيق لإبعاد الأخطار الأمنية والسياسية، وركز رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم على العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ لا تزال الهوة واسعة بين أنقرة وطهران في سورية، لكنها ليست كذلك مع الرياض، فالسعودية وتركيا مستهدفتان، وتحتاجان بعضهما بعضًا لـ “التنسيق القوي” و”العمل المشترك”، بحسب بن نايف، والمملكة وتركيا “ليسا بلدين شقيقين فحسب، بل هما بلدان مهمان لأمن واستقرار المنطقة”، بحسب يلدرم؛ فهذا الكلام قد يوحي بأكثر من تعاون، وأقل من تحالف استراتيجي، ويعني أن تركيا التي دخلت سورية في مرحلة، كانت الأمور فيها تتجه نحو التهدئة عبر تفاهمات مع الروس والإيرانيين، وضمنيًا النظام، تجد اليوم نفسها مضطرة إلى إعادة رسم حدود موقفها، لا تزال أنقرة من أهم داعمي المعارضة، والطريق الرئيس لإيصال الدعم إليها، والتصعيد في سورية، حيث تركيا وروسيا وإيران على الأرض، والروس إلى جانب التحالف الدولي في الجو، ليس بالخبر الجيد، لا لتركيا ولا للمنطقة ولا للعالم حتى. احتمالات الأخطاء غير المقصودة، وما قد تستتبعه من ردود فعل، ستدخل -أيضًا- في حسابات البنتاغون عندما يدرس خطواته التصعيدية.

وإذ تتصارع في سورية قوى دولية وإقليمية في حرب مستعرة، لا تزال لبنان الخاصرة الهشة التي تتجلى فيها أعراض الداء المستشري في المنطقة، أن يعلن سعد الحريري، زعيم كتلة المستقبل، عن إمكانية تأييده عونًا للرئاسة، فإن ذلك يوحي بأن الكفة قد بدأت تميل باتجاه المحور الإيراني. حقيقةً إنه التوقيت الذي يثير التساؤل، وليس الحدث بحد ذاته، فقد كان احتمال ترشيح زعيم التيار الوطني الحر مطروحًا منذ مدة، وعلى الرغم من أن الأمر يتعلق -أيضًا- بحسابات الحريري الداخلية، والفتور البادي في علاقته مع راعيه السعودي، إلا أن انعطافة كتلك -في هذه المرحلة- تُعدّ مؤشرًا مهمًا؛ حتى لو لم تعقبها -فعليًا- أي صفقة داخلية في لبنان.

ليست تلك النهاية، ولا يعني ذلك نصرًا لمحور على الآخر، فإذا تمكنت المعارضة من الحصول على دعم وازن ونوعي وصواريخ “مانباد”، القادرة على تهديد سيطرة النظام وروسيا على الأجواء، فإنها ستصمد حتى لو خسرت حلب. ويبقى المستقبل مفتوحًا -أيضًا- على احتمال أن تعزز المعارضة مواقعها وتتمدد مجددًا.

إنها الحرب السورية في مدها وجزرها؛ فهي مد عنيف يجتاح الأرض بغضب، يعقبه جزر شديد، يرمي بالناس في البحر، ويترك المدن حطامًا.

وتستمر المذبحة، طالما لا يوجد في هذا العالم عدالة تطال الأسد.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة