هل يمكن أن تطيح صراعات الكرملين ببوتين نفسه؟

هناك رأي سائد بأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يحكم قبضته على الكرملين، وهو رأي كان سديدًا حتى سقوط نظام يانوكوفيتش في أوكرانيا؛ فمنذ ذلك الوقت بدأ المختصون في الشأن الروسي يلحظون ما يمكن تفسيره على أنه صراعات بين مراكز القوى الداخلية، ويذهب -اليوم- بعض مراقبي الكرملين (الكرملونولوجيون) إلى أن تلك الصراعات تتفاقم، وربما أنها قد بدأت تخرج عن سيطرة بوتين، وقدرته على ضبطها.

لقراءة ذلك ضمن سياق صحيح، نحتاج إلى إلقاء نظرة سريعة وموجزة على الخطوات الرئيسة التي اتبعها بوتين في عملية ترتيبه للبيت الداخلي، عقب تسلمه للسلطة، والتوازنات القائمة ضمن الكرملين وتحولاتها، ومن ثم تصاعد الصراعات الداخلية في مرحلة ما بعد إسقاط نظام يانوكوفيتش في أوكرانيا، وصولًا إلى اللحظة الراهنة.

القضاء على الأوليغارش

ينسب إلى بوتين -كما يرى مؤيدوه- بأنه استطاع أن يبحر بسفينة الاتحاد الروسي من حالة، أنذرت حينها بمزيد من التفكك والفوضى، إلى مرحلة، استطاعت فيها موسكو أن تستعيد -ولو ظاهريًا- بعضًا من مكانة الاتحاد السوفياتي على الصعيدين: الإقليمي والدولي. وقد اعتمد الرئيس الروسي -في طريقه إلى ذلك- على بضع خطوات، كان أولها القضاء على طبقة الأوليغارش، فاحشة الثراء، وإخضاع من بقي منها.

لقد تشكلت تلك الطبقة في عهد الرئيس الروسي السابق، بوريتس يلتسن، وذلك من خلال شرائها شركات مملوكة للدولة في قطاعات حيوية، والتي تم بيعها بأبخس الأثمان؛ بسبب حاجة الدولة المفلسة إلى السيولة النقدية. وقد استشعر بوتين، سليل الـ (KGB)، وابن خليفتها (FSB) (المخابرات الروسية في العهد السوفياتي والحالي على التوالي)، بحسه الأمني، الخطر السياسي الذي تشكله تلك الطبقة الناشئة، صاحبة الطموحات الكبيرة، والسطوة الاقتصادية الوازنة؛ فما كان منه إلا أن عمل على استعادة تلك الشركات إلى ملكية الدولة، وبالتالي تجريد تلك الطبقة من أدوات قوتها الرئيسة.

نظام التوازن بين السيلوفيكي والسيفيليكي:

احتاج بوتين إلى ملء الفراغ الإداري -الذي خلفته حملته ضد الأوليغارش- في إدارة الشركات التي استعادتها الدولة، فقام باستبدال المديرين التنفيذيين السابقين بشخصيات من حلقة ضيقة مقربة منه، وتشمل -في معظمها- موظفين أمنيين، يحتلون مناصب رسمية في جهاز المخابرات الروسي، وتشكل تلك المجموعة الجديدة من المديرين، إلى جانب قادة بعض الأجهزة الأمنية الرئيسة، جماعة يُصطلح عليها بالسيلوفيكي siloviki، وهي لفظة مشتقة من كلمة القوة في اللغة الروسية، وبحكم الجذور الأمنية السوفياتية لتلك الجماعة، فإنها تلتزم موقفا معاديًا للغرب، وتطمح إلى استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي البائد، وتجدر الإشارة -هنا- إلى أن السيلوفيكي، كجماعة قوية داخل الكرملين، كانت موجودة قبل بوتين، لكنه أعاد تشكيلها؛ بحيث يضمن ولاءها عبر تعيينات في المراكز الأمنية الحساسة، وزاد من قوتها عبر تمكينها من السيطرة على إدارة شركات تتحكم بقطاعات اقتصادية حيوية، ومن أهم رموز هذه المجموعة الذين سيرد ذكرهم في هذا التحقيق، سيرجيه إيفانوف، وإيغور سيشين، ونيكولاي باتروشيف.

وعلى الكفة الأخرى من الكرملين، تتربع جماعة السفيليكي Civiliki، وهي لفظة مشتقة من كلمة Civil وتعني “مدني”، وهي كما يشير اسمها، عبارة عن تحالف هش من رجال أعمال وسياسيين ليبراليين وتكنوقراط، تشكلت على أنقاض مجموعة مقربة من يلتسن، الرئيس الروسي السابق، وتُعرف بمجموعة العائلة، والتي كما يشير اسمها ضمت أقارب الرئيس السابق وآخرين، ويرى السيفيليكيون أن من مصلحة روسيا تطوير العلاقات الاقتصادية بشكل مدروس مع الغرب، ضمن إطار رؤية متكاملة لإصلاح الاقتصاد الروسي، كما يتبنون مشروعًا اجتماعيًا، يمنح مساحة أكبر للحريات والحقوق الفردية، ومن أهم رموز هذه المجموعة الذين سيرد ذكرهم في هذا التحقيق، فلاديسلاف سوركوف، ورمضان قاديروف، وديمتري مدفيديف.

لقد كانت خطوة بوتين التالية، بعد حملته ضد الأوليغارشيين، نحت نظام توازن دقيق داخل الكرملين، بين تلكم الجماعتين النافذتين، اللتين ساهم هو نفسه في إعادة تشكيلهما، وقد عمل في سبيله إلى ذلك على خلق وضبط التنافس فيما بينهما، ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، والشركات ذات الثقل الاقتصادي.

نقاط محورية في تاريخ الصراع بين الجماعتين:

لم تكن عملية إدارة التنافس بين الجماعتين سهلة، خصوصًا أن كفة القوة دائمًا ما رجحت باتجاه جماعة السيلوفيكي الأكثر تماسكًا وقوة، أمنيًا واقتصاديًا، ومن المؤكد أن بوتين قد أدرك ذلك مبكرًا، فهو حين منعه الدستور الروسي من الترشح إلى ولاية ثالثة، اختار ديمتري مدفيديف من السيفيليكي؛ كي يحل محله، وعمل على عدم تمكين سيرجيه إيفانوف، القوي والطموح (الذي تمت إقالته خلال شهر آب المنصرم) من أن يخطو إلى أعلى هرم السلطة في البلاد.

وبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، وفي أثناء تولي بوتين رئاسة الوزارة، اغتنمت جماعة السيفيليكي الفرصة، وبضوء أخضر من بوتين، في محاولتها للتعدي على مَواطن النفوذ التقليدية للسوليفيكيين، وكان ذلك واضحًا من حملة الإقالات الواسعة التي استهدفت الأخيرة، والانتقادات التي لاحقت؛ حتى بارون النفط إيغورسيشين (سيلوفيكي نافذ والمدير التنفيذي لـ روز نفط) بتهمة سوء الإدارة، في وقت كان فيه الأخير بأمس الحاجة لتأمين حزم إنقاذ مالية ضخمة من الحكومة، وأيضًا، وفي موضع آخر، ودون ضجيج إعلامي، كان صراع أكثر أهمية جاريًا؛ لتقليم نفوذ السيلوفيكي في وزارة الداخلية الروسية، معقلهم التقليدي.

لكن، وفي عام 2011، تلقى السيفيليكيون ضربة قوية، يعدّ مراقبون أنها ذهبت بنفوذ الجماعة على حساب منافستها، فقد عدّ بوتين أن فلاديسلاف سوركوف، الرجل الأقوى في جماعة السيفيليكي، ويشتهر عنه دهاؤه السياسي، والذي سلمه بوتين مهمة ترتيب عودته إلى السلطة، قد فشل في تجنب اندلاع التظاهرات الضخمة التي تلت الانتخابات البرلمانية عام 2011، وترتب على ذلك أن انحدر سوركوف إلى مجرد نائب لرئيس الوزراء، والذي كان بوتين حينها، بعد أن كان نائبًا لرئيس ديوان الرئاسة، كما ترافقت تلك الفترة باضطرابات داخلية مهمة في معسكر السيفيليكيين.

إسقاط نظام يانوكوفيتش

بعد انهيار نظام يانوكوفيتش في أوكرانيا، وخسارة روسيا نظامًا حليفًا، في دولة ذات أهمية جيوسياسية استراتيجية بالغة بالنسبة لموسكو، تم إقصاء المخابرات الروسية (أي السيلوفيكي) عن إدارة الملف الأوكراني، وتسليمه للاستخبارات العسكرية، وكان ذلك بوصف أن الأولى قد فشلت في توقع سقوط يانوكوفيتش، كما فشلت في إدارة المرحلة التي تلت ذلك، وكان في تسلم الاستخبارات الخارجية لذلك الملف، استعادة لبعض نفوذ جماعة السيفيليكي، عبر ساركوف، والتي تشير بعض المصادر إلى أنه يمتلك منصبًا سريًا مهمًا في الجهاز، لكن في المقابل، وفي خطوة عدّ مراقبون أنها قد تعبر عن تحرك منفرد، ورد من السلوفيكيين، قام الأخيرون بتعيين مقربين من المخابرات الروسية، في مكتب الأمن الاقتصادي ومكافحة الفساد، التابع لوزارة الداخلية، وتلك خطوة يمكن تفسيرها على أنها محاولة لوأد أي تحرك لملاحقة وجوه بارزة منهم بملفات فساد.

على الرغم من ذلك، كان الأمر ليبدو بعضًا من استراتيجية بوتين؛ لضبط التوازن بين الجماعتين، لولا سلسلة من الأحداث التي لفتت انتباه المراقبين في روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي؛ فأن تعلن وسائل إعلامية رسمية عن ترقبها لخطاب طارئ لبوتين، دون أن يُبث، وأن تنشر، بعد أسبوع، مقاطع مكتومة الصوت من خطاب آخر في القرم، كان يُفترض أن يكون مباشرًا، ثم أن يعلن بوتين في أحد المنتديات عن رغبته في إعادة هيكلية المخابرات الروسية، وأن يسبق ذلك حملة تستهدف نفوذ السلوفيكيين في وزارة الداخلية، فإن ذلك جميعه كان بمنزلة إشارات قوية للكرملونولوجيين، بأن ما يحدث يشبه -إلى حد بعيد- الصراعات والمؤامرات التي طبعت ذلك الحصن في الحقبة السوفياتية البائدة.

اغتيال نمستوف واختفاء بوتين

كان اغتيال معارض بحجم نمستوف في شباط/ فبراير 2015، وعلى جسر قرب الكرملين، حدثًا كبيرًا تلا الأحداث السابقة، ولا يتعلق الأمر بأهمية الأخير فحسب، بل يتعداه إلى ردود الفعل داخل روسيا، وتصاعد الصراع بين مركزي الثقل داخل الكرملين؛ فبدءًا من سلوك الرئيس الشيشاني، رمضان قاديروف (مقرب من السيفيليكيين) الذي أعقب الحادثة، إلى اختفاء بوتين، وسلسلة من الاجتماعات الأمنية والعسكرية، حضرتها شخصيات روسيا القوية، وغاب عنها الرئيس الروسي، بدا الأمر وكأن التوازن الذي نحته بوتن بعناية، قد اختل وخرج عن السيطرة؛ حتى أنه بات يهدده شخصيًا.

ولعل من أهم دلالات احتدام الصراع بين الجماعتين في ذلك الوقت، كان توجيه الاتهام لستة شيشانيين على خلفية اغتيال نمستوف، ودفاع قاديروف -المحسوب على السيفيليكيين- عن أحدهم من المقربين منه، وقُتل في أثناء محاولة القبض عليه، ووصفه بالمواطن الحقيقي، ومن جهة أخرى، فأن يغادر ساركوف -الذي يعد الشخصية الأهم بين السيفيليكيين- روسيا في هذه الأوضاع، متجهًا إلى هونغ كونغـ ومتذرعًا بإجازة عائلية، هي إشارة لا يمكن إهمالها.

لقد سخّر قاديروف -حينها- القنوات الإعلامية المتاحة، بما فيها وسائل الاتصال الاجتماعي؛ للقيام بتحركات وتصريحات تصب في خانتين: استعراض القوة، وإظهار ولائه المطلق للرئيس الروسي، وكان ذلك قد سبق وصاحب اختفاء بوتين، الذي غاب عن اجتماع خارجي مع الرئيسين: الكازاخي والبيلاروسي في كازاخستان، فضلًا عن كوكبة من الاجتماعات الداخلية المهمة كما أسلفنا.

ولا يزال الصراع مستمرًا وبوتن قلقًا

لقد سبق اغتيال نمستوف بداية انهيار أسعار النفط ومعه الروبل، وكان من ذلك أن بدأت الخلافات تظهر مرة أخرى، بين سيشين (سيلوفيسكي) بارون النفط، وبين الحكومة برئاسة مدفيديف (سيفيليكي) بشكل واضح، من خلال تصريحات الرجلين في الإعلام. ويبدو أن بوتين الذي يسعى -أخيرًا- إلى إحاطة نفسه بموالين موثوقين من خارج الجماعتين، يجد نفسه مضطرًا إلى أن يتخندق مع الأخيرة في مواجهة الأولى، ويمكن التدليل على ذلك من خلال منح بوتين في أثناء اختفائه وسام الشرف –الأعلى في روسيا- لقاديروف.

وضمن هذا السياق، يمكن عدّ المواجهة بين مدفيديف وسيشين حقيقة صراع بين بوتين وسيشين، تشكل خلافات ضريبية وهيكلية متعلقة بشركة (روز نفط) محورها، ويُعتقد أن ذلك يندرج ضمن استراتيجية أوسع، يعمل الرئيس الروسي -من خلاله- على تفكيك جماعة السيفيليكي القوية، عبر تجريد أهم رموزها من مناصبهم النافذة؛ فقد أقال بوتين -العام الماضي- فلاديمير ياكونين الثري من منصبه، مدير عام سكك الحديد، وأخيرًا، كان قد عزل أحد المقربين من حلقته الضيقة، سيرجيه إيفانوف، الذي يوصف بصاحب الطموحات الكبيرة، ويعدّ الشخصية الثانية في الكرملين، من منصبه، رئيس الديوان الرئاسي، ويشكل الأخير، إلى جانب سيشين بارون النفط، ونيكولاي باتروشيف، سكرتير الأمن القومي، شخصيات خطرة، قادرة على التنسيق؛ لعزل بوتين والإطاحة به، وتفيد التقارير بأن الشخصيات الثلاث كانت حاضرة في معظم الاجتماعات التي غاب عنها بوتين في أثناء اختفائه.

في المقابل، فقد قامت المخابرات الروسية -خلال الأشهر القليلة الماضية- بحملة، استبدلت من خلالها عددًا من قيادات المناطق والأقاليم بمقربين منها، كما شنت حملة اعتقالات، استهدفت رئيس الجمارك الفيدرالية ومحققين بارزين من لجنة تحقيقات موسكو، قد تبدو تلك الحملات عبارة عن تغيير روسي كلاسيكي في طبيعة التحالفات ومجالات النفوذ الداخلية، لكن قراءتها ضمن سياق سلسلة الأحداث، في مرحلة ما بعد سقوط يانوكوفيتش، يوحي بأن جهاز المخابرات الروسية يعمل على حماية نفسه من حملات ملاحقة، تتعلق بالفساد، وفي الوقت نفسه، يحاول أن يوسع مجال نفوذه؛ ليشمل أجهزة أمنية أخرى ومراكز تدر سيولة مالية. وما يعزز ذلك الاحتمال، بالنسبة للكرملينولوجيين، أن بوتين قد استحدث حرسه الخاص الذي يتبع له مباشرة، بمسمى الحرس الوطني، وعهد برئاسته إلى فيكتور زولوتوف، المعروف بولائه المطلق لبوتين، وتاريخ مطبوع بالعداء للشخصيات النافذة في جهاز الاستخبارات المركزية.

وعلاوة على ذلك، أن يلغي الرئيس الروسي فجأة -في شهر يونيو الماضي- جولة داخلية مقررة مسبقة؛ ليبقى في موسكو، ويصرح -بعد ذلك- الناطق باسمه أن جدول رحلات الرئيس لن يتم الإعلان عنه بعد اليوم، فلا يمكن تفسير ذلك إلا بوجود خطر أمني قوي.

خاتمة:

يذهب بعضهم إلى أن إيفانوف؛ حتى بعد إقالته من منصبه، رئيسًا لديوان الرئاسة، قد حافظ على كرسيه في مجلس الأمن الروسي، وذلك يعني أن سيطرة بوتين متداعية، وقابلية الإطاحة به متاحة، لكن ما يمنع ذلك -بحسب آخرين- ليس شعبيته الكبيرة بين المواطنين الروس فحسب.

وفي مؤشر آخر على بلوغ الوضع الروسي الداخلي مرحلة سيئة، فإن دائرة نقاد الرئيس الروسي توسعت؛ لتشمل أقرب مواليه -من الجماعتين ومن خارجهما-  الذين باتوا ينتقدونه بصوت عال، وهو أمر غير معهود في روسيا بوتين، بل ويذكر ذلك، بحملة الإشاعات والنقد اللاذع التي أدارها رئيس الكي جي بي أندروبوف، ضد بريجينيف في العهد السوفياتي، إلى أن تمكن الأول من تثبيت موقعه كي يخلف الأخير.

لم يعد الصراع داخل جدران الكرملين سرًا بالنسبة لكثير من المراقبين، وعلى الرغم من أن المستقبل مفتوح على احتمال أن يعيد بوتين ترتيب بيته الداخلي مرة أخرى، يعتقد آخرون أن مرحلة خلافة بوتين قد بدأت دون أن يجازفوا بتخمين متى وكيف.