الماضوية والمؤامراتية تصادران أسئلة المستقبل

من المؤكد أنْ لا أحد يستطيع الادّعاء بأنه يملك حلًا سحريًا لتعديل صورة المستقبل، أو يملك الرؤية الشاملة للخروج من المأزق الذي تمر به المسألة السورية، بل أكثر من ذلك، فإنّ محاولة الإجابة الشاملة عن التحديات المطروحة، هي جزء من تكريس الهوة والعمل على زيادتها، خاصة أننا أصبحنا نعيش في عالم لا يحتمل الشمولية واليقين المطلق في أي من مجالاته، وفي هذا السياق، نستطيع القول: إنّ محاولة الإجابة عن أسئلة المستقبل بأدوات الماضي، هي شكل من الاستعصاء الذي لا يمكن الخروج منه، وهو ما يعيد إنتاج الهوة بيننا وبين عالم اليوم.

إذ نحن لا نستطيع إعادة تكرار التاريخ وصنعه على طريقة سابقة، إننا نقرأ التاريخ لاستيعاب الحاضر، فالماضي مضى وانقضى، ولكنه شكّل الحاضر، ويحاصره ويؤثر في المستقبل؛ حتى يكاد يصنعه على صورته. ولأنّ قراءة الحاضر مُختلَف عليها، فإنّ قراءات الماضي -أيضًا- متعددة ومختلَف عليها، ولم يعد غريبًا القول: إنّ لنا تواريخ وليس تاريخًا واحدًا، والقراءات المتعددة للتاريخ مشروعة؛ لذلك، علينا الكف عن محاولة حشر أنفسنا في صياغة تاريخ واحد، لأنّ الواحدية شكل قمعي لكل أنواع التطلع الجمعي للبشر، لا بالمعنى السياسي فحسب، بل بالمعنى الفكري الأشمل كذلك.

عندما نقع أسرى الماضي، فلا شك في أننا سنأسر المستقبل معنا بمعايير الماضي، خاصة أننا أمام تاريخ سوري معاصر ثقيل، طابعه الاستبداد منذ خمسين سنة، يفرض نفسه علينا بقوة كبيرة، وبالتالي يفرض نفسه على صورة المستقبل التي نحاول تكوينها والبناء عليها؛ من هنا، فإنّ القراءة المتنوعة والمتعددة للتاريخ السوري تفتح خيارات متعددة ومتنوعة أمام المستقبل، الذي لم يعد هناك إمكانية لبنائه شموليًا؛ فهو مفتوح على الاحتمالات المتعددة، ولا يمكن التعامل مع الاحتمالي إلا بخيارات متنوعة ومتعددة؛ لأنّ تسارع الزمن أصبح أكبر من أي مرحلة سابقة، وهذا ما يتناقض مع الشمولية، ويحتاج إلى خيارات مرنة، وقابلة للتعديل، ومفتوحة على كل الاحتمالات؛ ما يجعل إمكانية التعاطي مع المستقبل أكثر جدوى.

ومن جهة أخرى، فإنّ شيوع فكرة المؤامرة في الثقافة السورية السائدة، يعود -في الغالب- إلى أنّ العقلية السورية السائدة، والتي تبلورت في ظل نظام الاستبداد، عقلية اتكالية، تراهن على الآخرين في تحقيق مصالحها،‏ وعندما تفشل هذه المراهنات، يجري الحديث عن “المؤامرة والخيانة”‏!‏ الخطورة تكمن في أنّ شيوع فكرة المؤامرة يؤدي إلى استمرائنا لعب دور الضحية‏؛‏ وبالتالي، عدم الاعتراف بالمسؤولية والركون إلى الإحباط واليأس، بدعوى أنّ الجميع يتآمرون علينا،‏ ويبدو أنّ سلطة آل الأسد تعمّق هذا التصور المريض في داخل ذهنية العديد من أفراد مجتمعنا؛ لتخفي -من خلال ذلك– خيارها الأمني الذي انتهجته منذ اليوم الأول للثورة في آذار 2011، ونهبها لطاقات وطننا، وزيادة سيطرتها على ثرواته وموارده المادية والبشرية التي تشكل قاعدة النهوض والتطور والتنمية.

والواضح أمامنا أنّ هناك حقيقة نعايشها، تتمثل في استشراء ثقافة العنف والتدمير، في مناخ الترهل والفساد، والاستبداد السياسي، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي.

إنّ هذا النوع من الخطابات، الماضوية والمؤامراتية، تحاول أن تسطّح حال المسألة السورية، في التعاطي معها بوصفها معطًى طبيعيًا وعاديًا، في محاولة منها لحجب دور العوامل الذاتية في توطّن الأزمة وتفاقمها.

ولأنّ معطيات الواقع السوري الراهن تدفع إلى التشاؤم بالمستقبل المقبل، ولأنّ الأسوأ ممكن دائمًا، على الرغم من الواقع السيئ أصلًا، فإنّ إمساك المستقبل لا يكون إلا عبر إرادة تصر على القبض على المستقبل، والأهم على صناعته عبر رهانات على توافقات السوريين وحدهم، القادرين على صناعة المستقبل، وهذه الإرادة لا بد من أن تأخذ في الحسبان الإرادات الفردية، ولا سيما أنّ المستقبل يحتاج إلى جهد متواصل لصناعته.

لقد حان وقت مصارحة الذات السورية عمّا تفعله، عوض القعود في السفسطة الكلامية والشعاراتية، وإغداق الوعود المعلقة في الهواء؛ فلم يعد الرهان على الغيبيات مددًا تستمطره غيوم الحرب بدعاء ملهم، تنعشه رائحة البارود.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة