رحم “الدولاب” الأسود

في مطلع نصه “انهمرت الخيزرانات على جسمي كالمطر” يضعنا راتب شعبو أمام مدلول جديد للشمس؛ مغاير تمامًا لما كنا نألفه، حين يقول بطله “طلب لي المحقق كأسًا من الشاي، ثم أشار إلى صورة كبيرة لرئيس الدولة، حينذاك (حافظ الأسد)؛ معلقة على حائط المكتب، وقال وهو يبتسم: ألا تراه كالشمس”.

 

بهذا المعنى، وبحسب توصيف المحقق، لم تعد الشمس -عند بطل شعبو- رمزًا للنور والدفء والحرية، وإنما باتت كتلة نارية فحسب، تكتوي بها الأجساد الآدمية؛ ففي فضاء لا تزره الشمس خلف الجدران المعتمة، تغدو صورة حافظ الأسد هي الشمس، وعلى سياط لهيبها تُسلخ جلود الكائنات البشرية.

 

من ناحية ثانية، لا يفوت المحقق الحديث عن أثمن حالة وجدانية، تعيشها الكائنات البشرية في الكون، والتي باتت مغيبة تمامًا في سراديب المعتقلات، فجاء حديثه عن الأم، وعن دفء حضنها، تمهيدًا لاستحضار حضن من نوع آخر؛ إذ تحدث مفارقة شديدة الوطأة، فالأم تنجب أولادها، لا لشيء، إلا لتتلقفهم متاهات الزنازين وعذابات الدواليب، وهي الحضن البديل عن حضنها هنا.

 

هذا السعي لشرخ المسافات بين الحياة الطبيعية، والحياة التي تحيكها خيوط شمس الأسد، تعمل على خلق حالة اغتراب بين بطل شعبو “إنسانيته”، وادخاله في تجربة تنعدم فيها جميع القيم، ولا يعود ثمة حاجة للبحث عن الذنب وماهيته، فكل من يُساق الى المعتقل مذنب بالضرورة؛ لذلك يتم تجاوز الاسئلة التي من شأنها أن تجد للمتهم مخرجًا من مآزقه، فالذنب -في أقبية المخابرات- ملاصق للشخصية أكثر من صفاتها، بل يغدو هويتها وكيانها، وأكثر ما يستمتع به المحققون سماعهم صوت الضحية وهي تقر بذنبها، بل وهي تخترعه، فالاعتراف بالذنب يعني الإعلان عن الولاء والندم على ما ارتكب المتهم من آثام بحق الشمس التي تضيء الكون في ردهات المعتقل، والإقرار  بأنها الشمس الوحيدة والأصيلة في هذا الكون. لكن، وعلى نهج القدرية “السيزيفية” مهما اعترف الكائن هنا، ومهما ابتكر من ذنوب؛ ليتوقف عنه الألم، ترمى كل اعترافاته وذنوبه في سلة المهملات، ويعاد إلى تجرع مرارات الألم من أجل اعترافات جديدة؛ فتحت الضرب والتعذيب يغدو كل ما يعترف به بطل شعبو لا قيمة له، وأول ما تستفتح به عملية التعذيب، الطلب من الضحية نزع ثيابها والتعري الكامل…

 

إنها العودة إلى البدايات، إلى أصول العبودية، حيث الإنسان هائم على وجهه، مجردًا من كرامته وكيانه الآدمي، خانعًا وجاهزًا للمسخ، فيزج به الى رحم غير رحم أمه، هو رحم الدولاب الأسود الذي تتكور فيه شخصية بطل شعبو –تمامًا- كوضعية الجنين، وقد تم صنعه خصيصًا للتعذيب، وهتك حرمة وكرامة الإنسان، “ومهما خفت من الألم فإن خوفك لن يتفوق على شعورك به”. بهذا الوصف يصور بطل شعبو فداحة الألم داخل الدولاب، حتى يغدو المأمول الوحيد، والحلم الوحيد، والغاية الوحيدة، هي العودة إلى البدايات؛ الى نقطة الصفر، حيث يمكن أن يتوقف الألم. هذا الألم ما غايته إلا أن يقر بطل شعبو بكل ما لديه من ذنوب واعترافات، فيقول في خضم صراعه مع العذاب: “الإنسان الصالح في الدول المتخلفة هو الإنسان الذي لا يسمع ولا يرى ولا يحكي، ولكن حين يسقط هذا البشري في قبو أجهزة الأمن عليه أن يعرف، بل عليه أن يكون مخزن معلومات” فعدم المعرفة تحت خيوط شمس الأسد جريمة، والصمت جريمة كذلك، بخلاف حال الشارع، حيث الصمت والجهل نعمة وفضيلة.

 

كما أنه ممنوع عليك الموت في أقبية الأسد قبل أن تدلي بمعلومات تأكد لجلاديك حقيقة ظنهم بك، وأنك فعلًا تستحق ما يقع عليك من عذاب، فما إن يدخل بطل شعبو في غيبوبة -تحت وقع السياط والألم- حتى يتم رشقه بالماء؛ ليستعيد حواسه ويعود مرة جديدة للإحساس بطعم الألم؛ ومن شدة الألم، وأمام جهله، وعدم معرفته بالحقائق التي يطلبونها منه، وفي لحظة توقف شرايين دمه واختناق أنفاسه، يجد نفسه وقد راح يخترع معلومات وعناوين وأسماء ليس لها صلة بالواقع، لكن خياله لا يعجب المحققين والجلادين، بل يريدون له –على الرغم من تحوله إلى مخلوق لا واقعي- أن يفكر في حدود الواقع، ويدلي بمعارف ومعلومات واقعية، وما إن يكتشفوا هذيانه، حتى يعاودون تعذيبه، ومن شدة الألم يتمنى بطل شعبو -الذي كان على أبواب التخرج من كلية الطب- لو تحدث كارثة كبرى تقلب موازين الكون، فتعذيبهم له -على هذا النحو- يخلق منه وحشًا، قاتلًا، حاقدًا مثلهم، يحولونه إلى كائن مناقض –تمامًا- لما هو عليه؛ وهل ثمة تناقض أكبر من التناقض بين مهنة الطبيب وامتهان الإجرام والقتل!؟

في ظل الشمس الأسدية يتم ترتيب أدق ثنايا الكائن البشري، ليغدو وحشًا ينهش الكون بأسنانه. وفي حضرتهم، عليه أن يعلن الطاعة والخنوع، وأن يغدو مسخًا في حالة هلاك كامل.

 

هكذا يبنى الإنسان في دولة البعث، فالكرباج والدولاب والجلاد، وتلك الاقبية، ليسوا مجرد أدوات فيها، بل هي عصب الدولة وشريانها، وهي لا تستطيع التنفس، أو البقاء، إلا عبر هذه المفردات. كل شيء في الدولة مكرس لخدمة الأجهزة الامنية، وكل ما يقوله رئيس الفرع هو الصحيح واليقين؛ بوصفه ناطقًا باسم صاحب صورة الشمس، وعليه، يغدو هو المخول في تقرير  المصائر، واستكشاف المستقبل، فيلقي نبوءته في وجه بطل شعبو قائلًا ” لن تصير طبيبًا في يوم ما” وهنا يحاول شعبو اراحة النص من وطأة التعذيب، ويتتبع مصير رئيس الفرع الذي يقضي نحبه في الحمام، ومع ذلك تتحقق نبوءته، ليحرم طالب الطب -بطل شعبو- من أن يصير طبيبًا، وفي هذا المقطع السردي يتم الخروج عن السياق الزمني للنص، بقفزة عمرها 11 سنة؛ حيث يطلع البطل على ملفه عندما يقف في المحكمة، لكن وطأة الحدث تعيد السارد إلى أقبية المعتقل ليعود التعذيب والجلد من جديد، ففي دولة البعث لا يوجد أبطال كما في الروايات، كل الكائنات البشرية تمارس حياتها ونشاطها، وحتى بطولاتها -إن وجدت- تحت “الصرماية” على حد تعبير رئيس الفرع قبل مماته، وتلك إشارة لمفعول البوط العسكري وتقديسه من الموالين لدولة البعث وبشار الأسد، في الوقت الراهن. وأمام استمرار التعذيب وآلامه، يصبح التفكير في التكوين الجسدي محل شك وتساؤل لدى بطل شعبو “هل غاية مجيء الإنسان الى الكون أن يعذب؟” كما أنه يتذكر والده البعثي الذي ضحى بحياته وأسرته في سبيل الحزب، ويتساءل مجددًا: “هل كان يخال أبي أنه بعمله “الحزبي” ذاك؛ الذي كرس له شبابه وحياته، إنما كان يبني قبوًا للتعذيب لابنه الأصغر الذي ولد بعد أشهر قليلة من رفعه العلم البعثي على سطح البيت؟”