تحديات تكيّف اللاجئين السوريين في تركيا

في شباط/ فبراير 2016، سجلت (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) 4.6 مليون سوري في البلدان المجاورة، مقابل 3.3 مليون في كانون الثاني/ يناير 2015؛ وقد ارتفع عددهم في تركيا من 1.5 مليون في كانون الثاني/ يناير 2015، إلى 2.5 مليون في كانون الثاني/ يناير 2016 (من بينهم 270 ألفًا يعيشون في المخيمات، أما الأكثرية ففي المدن التركية).

 

إنّ عملية إقامة اللاجئين وتكيّفهم الاجتماعي والسياسي لا تناظر أي أنموذج وحيد، صالح في كل زمان، ويطرح لجوء السوريين إلى تركيا استعدادها لتقبُّل أمر واقع، يتمثل في التعدد الاثني والثقافي، لكنّ المسألة لا تتم بيسر؛ إذ إنّ مشكلة عدم تكيّف اللاجئين السوريين يتجلى أكثر في الميدان الاجتماعي، فهناك أحكام وتصنيفات مسبقة؛ حيث تُلصق بهم تهم الإجرام والتطرف والإرهاب بطريقة اعتباطية، كما أنّ هناك من يرغب في أن يكون اللاجئ السوري مجرد وسيلة وأداة لإنتاج السلع والخدمات بتكلفة محدودة، وليس ككائن بشري له خصوصياته اللغوية والثقافية، والتي يجب الاعتراف بها والتعايش معها.

 

إنّ الفهم والتطبيق الصحيحين لمفهوم التكيّف يُعدّ الخطوة المفتاحية نحو النجاح والتفوّق، وإذا ما أردنا تلخيص مفهوم التكيّف الصحيح، يمكن القول بأنه يتمثل في كيفية امتلاك المقوّمات الكفيلة بتحقيق الموازنة بين ضرورات التكيّف، بمعنى الانتماء والمشاركة الفعلية النشطة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع التركي من جهة، والمحافظة -في الآن ذاته- على الروابط والجذور الثقافية من جهة أخرى.

 

إنّ قدرة اللاجئين السوريين على التكيّف الإيجابي الناجح في تركيا تستلزم: ضرورة الإدراك العميق لطبيعة المجتمع التركي، وإتقان لغته وأعرافه ونظمه، والالتزام بالقوانين السارية، والمشاركة الحية في شؤون المجتمع، والحرص على خدمة الصالح العام، وفك الارتباط الكامل مع كل ما له صلة بعادات خرق القانون.

 

وتبقى القضية مسألة تفاعلية بين جانبين، جانب اللاجئين السوريين من جهة، والدولة والمجتمع التركيين من جهة ثانية. وللطرفين مصلحة واحدة في تحقيق درجة عالية من درجات التكيّف الإيجابي الخلاق، بعيدًا عن الإحساس بصغر الذات والهروب إلى “الغيتوهات” من جهة، أو التعالي والإقصاء السلبي من ناحية أخرى.

 

وفي الواقع، تمنح تركيا للاجئين السوريين حماية موقتة، حيث يتم تسجيلهم لدى السلطات المختصة، ولدى المفوضية العليا للاجئين، وتمكينهم من الرعاية الصحية والتعليمية، دون الحق في العمل، إلا بعد الحصول على إذن عمل، كما أسهمت فعاليات المجتمع المدني بدور كبير في تقديم الخدمات الاجتماعية والطبية والتعليمية. وقد كان تقدير الحكومة التركية أنّ أزمة اللاجئين السوريين قد تصل إلى عشرات الآلاف، ولمدة زمنية قصيرة فحسب، فلم يكن متوقعًا أن تطول أزمة الشعب السوري لأكثر من خمس سنوات. فقد أدركت الحكومة التركية أنّ مأساة اللاجئين تتفاقم في معاناتها الإنسانية أولًا، وفي كلفتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تركيا ثانيًا، وأنّ المجتمع الدولي لا يقوم بمسؤولياته الإنسانية ثالثًا، ولا بواجباته القانونية في حماية شعب يُقتل بشكل مباشر رابعًا.

 

من المتوقع أنّ عودة اللاجئين ستستغرق سنوات، حتى لو نجحت مساعي أطراف الصراع لفرض “الانتقال السياسي”؛ ما يُبرز أهمية إيجاد حلول طويلة الأمد للاجئين السوريين في تركيا، من خلال رسم سياسات واضحة لاندماج اللاجئين السوريين في المجتمع التركي. وهو الأمر الذي أكّده مدير مركز أبحاث السياسات والهجرة، التابع لجامعة (حجة تبة) في العاصمة أنقرة، مراد أردوغان، بالقول: “علينا أن نعمل على رسم سياسات واضحة لدمج السوريين في المجتمع التركي، لكن قبل ذلك، علينا أن نقبل بأنّ السوريين الموجودين في تركيا سيعيشون معنا في المستقبل”.

 

إنّ وصول آلاف اللاجئين السوريين الشبان، وأغلبهم ممن تلقوا قسطًا وافرًا من التعليم، من شأنه أن يُعزز إمكانات تركيا الاقتصادية على المدى البعيد؛ فقد رد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على انتقادات المعارضة، بعد إعلانه أنّ الحكومة التركية ستعمل على منح اللاجئين السوريين فرصة الحصول على الجنسية التركية، مشيرًا إلى أنّ عمليات تجنيس اللاجئين ستستهدف ذوي الكفاءات العالية بين اللاجئين؛ للحفاظ عليهم في تركيا، قائلًا: “يوجد بين اللاجئين ذوو الكفاءات العالية، وأصحاب مهن، إن لم نأخذهم سيذهبون إلى بريطانيا وكندا أو إلى أي مكان آخر”.

وهكذا، من المؤكد أنّ إدارة تكيّف اللاجئين السوريين مع المجتمع التركي بنجاعة، وضمان إثراء المجتمع المضيف، أكثر من زعزعة استقراره، تتطلب استراتيجية بعيدة النظر؛ لتفهم الخصوصيات الثقافية للاجئين السوريين.