السوريون ونفق التّهميش المعتم

لا يمكن النّظر إلى الحالة السّورية التي بلغت أقصى حدود العنف والتّشظّي، كطفرة أو حالة طارئة أنتجتها التّدخلات الإقليمية والدّولية، واحتدام المواجهة بين النّظام والمعارضة، فما يعيشه السّوريون، منذ العام 2011، الذي شكّل منعطفًا حادًا في التّاريخ السّوري، ما هو إلا ممر إجباري وأزمات مركّبة لشعب مسلوب الإرادة.

 

أسّست العقود الطّويلة من الفساد والاستئثار وفرض السّلطة والهيمنة، على المجتمع برمته، وانتهاك الحقوق؛ لإنتاج حالة من التّهميش واسع النّطاق، طالت فئات كثيرة من الموظفين، والمثقفين، والمفكرين، والشّباب، والنّساء،…، فالتّهميش يعني عمليًا أن هذه الفئات لا تشارك في العمل السّياسي، ولا تتقدم كما تتقدم الفئات الأخرى، ولا تستأثر بما يستأثر به الآخرون، كما طالت مناطق كثيرة، تعيش ظروفها الحرجة تحت حدّ الكفاف الاقتصادي، الذي تصاعدت حدّته تحت ما دعي بـ “سياسة الإصلاح الاقتصادي”، والتي جرى تطبيقها خلال عقد من الزّمن من 2000 إلى 2010، وكانت خرابًا اقتصاديًا أدّت إلى تفاقم ظاهرة البطالة والفقر واتخاذها أبعادًا مدمّرة بالنّسبة للاقتصاد والمجتمع في سورية، ويشير تقرير حكومي، صادر عن المكتب المركزي للإحصاء عام 2007، إلى أن معدل البطالة بلغ 48 بالمئة، وأكثر العاطلين من الشّباب، الذي يُشكّل قوة العمل الرّئيسة للدول، وازدادت نسبة الفقراء بشكل عام، لكنها بلغت حدها الأعلى، 68 بالمئة من العاملين في القطاع الزّراعي، وهو أهم مقومات الاقتصاد السّوري، الذي شهد تدهورًا كبيرًا في السّنوات الأخيرة، بعد رفع الدعم الحكومي عن المحروقات، وشملت معظم مناطق الريف السّوري، إضافة إلى ما تعانيه من سوء الخدمات على جميع المستويات، وتحتضن كل الآفات المجتمعية من الجهل والتجهيل.

 

استلاب الإرادة التي جرى تأصيلها، لم تكن لتسفر إلا عما أسفرت عنه، كناتج طبيعي عن سوء إدارة بلد معروف بتنوعه، وانعدام الوعي السّياسي، اللّذين دفعا بقطاعات كبيرة من الشعب للبحث عن قواعدها الأم داخل العشيرة أو الطّائفة أوالمذهب؛ لترتكز عليها في مواجهة الأزمات والتّهديدات الوجودية من الدّاخل ومن الخارج، وتُشكّل بؤرًا مغلقة، تستقطب بطروحاتها وشعاراتها الكثير من المُهمّشين، وذوي المصالح العرقية والمذهبية، لتكوّن طائفة من المؤمنين المنساقين وراء شعارات، تتجاوز بناء الدّول الحديثة، فالشّعور بالتّهميش الفعلي أو المُتصّور لفئات كبيرة من المجتمع، تُمّهد الطّريق لبروز دور المهمّشين، وهذا لا يقتصر على سوريا والشعب السّوري، فمعظم الحالات الفئوية دينيًا أو عرقيًا داخل حدود العالم العربي، وُلدت من رحم التّهميش، كحزب الله الذي برز نتيجة تهمّيش الشيعة في لبنان، وكذلك الحوثيين في اليمن، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي استطاع النمو، باستغلال تعرض المواطنين السّنة في العراق وسورية للتّهميش، لتكون المثال الأكثر وضوحًا في الاستقطاب للمُهمّشين من الشباب العربي والغربي الباحث عن دولة جديدة، توفر له حاجة نفسية واجتماعية واقتصادية لم توفرها دوله، وينتقل -من خلالها- ليتخذ دوره كفاعل أساسي في الدولة الجديدة.

 

إن سياسة الإنكار للحقوق التي تفاعلت في أعماق المجتمع السّوري، حتى بعد مطالبته بهذه الحقوق، واستخدام العنف من قبل النّظام، دفعت العديد من الأطياف إلى الوقوف مع أي جهة تُقدّم نفسها على أنها المُخلّص؛ فسورية التي غرقت في واقع العنف المتوحش الذي يتناوب عليه من جهة نظام استبدادي، ردم الفواصل بين سلوك الدّولة وسلوك الميليشيات، ومن جهة أخرى، حركات جهادية تكاثف عنفها المطلق، مع الرّغبة في الانتقام الذي يرافقه ظلم فئات ارتبطت معنويًا وسياسيًا بالنظام، أو وقفت على الحياد، ليُشكّل الاثنان -معًا- حلمًا مغلوطًا، يسير نحوه العديد من الأطياف التي تعيش تناقضاتها المركبة، بينما فئات كبيرة من المجتمع لا تعدّ المعركة معركتها، حتى لو لم تعلن ذلك، فالطرفان المتصارعان لا يمثلانها، ولن يسفرا إلا عن وجه وطن كسيح؛ فاستبداد النظام وعصاباته لن يستطيع بناء وطن للسوريين، والحركات الجهادية التي تتحدى الحداثة لن تؤسس لمستقبل آخر، ليبقى المشهد السّوري غارقًا في نفق إجباري، لن ينهي ظلاله المعتمة سوى حراك فعلي من قبل الفئات الكارهة لوضعها ولنظامها ومتطرفيها، والمتعطشة لقوانين جديدة تفتح الباب والمجال للفضاء السّياسي والحقوقي والتّنموي والدّيمقراطي، والتّداول السّلمي للسلطة؛ فهي الوحيدة القادرة على تغيير واقع العنف المتوحش الذي يؤسس للمستقبل السوري.